فقد شفع لفظ {دَابَّةٍ} بـ {فِي الْأَرْضِ} ولفظ: {طَائِرٍ} ب ـ {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} لبيان أن القصد بهما إلى الجنسية لا إلى العدد، وفي ذلك زيادة لمعنى التعميم والإحاطة، كأنه قيل: وما من دابة قط في جميع الأراضين السبع، ولا طائر قط في جو السماء من جميع ما يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم.
[تنكير المسند إليه]
يؤتَى بالمسند إليه منكرًا؛ لإفادة أنه فرد غير معين من أفراد جنسه، أو لإفادة النوعية، فإذا قلت: جاءني رجل، صلح هذا القول بإرادة الإفراد؛ أي: جاءني رجل لا رجلان، وصلح لإرادة النوعية؛ أي: جاءني رجل لا امرأة، وهذه الإفادة إفادة أصلية للنكرة، وقد تتمحض النكرة في الدلالة على العدد وذلك إذا وصفت به كقولك مثلًا: جاءني رجل واحد ورجلان اثنان. من ذلك قول الله تعالى: {وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} (النحل: 51) .
وقد تتمحض لإفادة النوعية؛ أي: الجنس، كما في قوله تعالى: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ}
فقد محض الوصف في الأرض ويطير بجناحيه النكرتين"دابة وطائر"لإفادة الجنس.
ولتفصيل ذلك نقول:
إن المراد بالإفراد الدلالة على فرد منتشر شائع غير معين سواء أكانت النكرة بلفظ المفرد أم بلفظ الجمع، فإذا كانت بلفظ المفرد دلت على واحد، وإن كانت بلفظ المثنى دلت على مطلق اثنين، وإن كانت بلفظ الجمع دلت على مطلق جمع مثل: لقيني رجلان وتبعني رجال؛ فأنت ترى المسند إليه في الأحوال الثلاثة غير معين، سواء أكان واحدًا مثل: جاءني رجل أو اثنين أو جمعًا، وهو في الأمثلة الثلاثة يسمى عند البلاغيين فردًا بالنظر إلى مفهوم لفظ النكرة المعبر بها عن المسند إليه، وبهذا ندرك أن الإفراد ليس مقصورًا على الواحد كما يتبادر إلى الذهن، بل يشمل الواحد والاثنين والجماعة، فالمدار على عدم التعيين.
وعلى الرغم من أن الدلالة على غير معين معنى أصلي للنكرة، فإن المقام قد يقتضيه من أجل ذلك ينكر المسند إليه إما لأن الغرض لم يتعلق بتعيينه، وإما لأن المتكلم لم يعلم جهة من جهات التعريف، فيلجأ في المقامين إلى تنكير المسند إليه قاصدًا بالحكم فردًا غير معين من الأفراد التي يسقط عليها مفهوم اللفظ. مثال الأول: قول الله تعالى: {وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ} (القصص: 20) فقد أتى بالمسند إليه: {رَجُلٌ} في الآية منكرًا للقصد فيه إلى رجل ما من أفراد مفهوم لفظ رجل؛ لأن الحكم بالمجيء لم يثبت لغير فرد واحد من هذا الجنس، فهو وإن أمكن تعيينه لكن ليس هناك غرض يتعلق بتعيينه ويقتضي تعريفه، بل الغرض أن يعلم موسى بائتمار القوم ليقتلوه، ولذا خرج خائفًا سائلًا ربه النجاة من القوم الظالمين، وهذا الغرض قد تحقق، ولا حاجة بعد ذلك إلى تعريف وتعيين من جاء بهذا النبأ وأسدى إليه النصح.
ونظير ما سبق ما جاء في قول الله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ} (غافر: 28) .
والمثال الثاني قولك: قابلني في المسجد رجل وسأل عنك، تقول ذلك إذا لم تعرف اسمه ولا شيئًا يتعلق به، فالقصد فيه حينئذ إلى فرد ما من أفراد مفهوم لفظ رجل.
قد ينكر المسند إليه أيضًا لقصد النوعية؛ وذلك بأن يقصد المتكلم بالحكم نوعًا خاصًّا من أنواع الجنس غير ما يتعارفه الناس، فيعمد إلى تنكير المحكوم عليه؛ لأن النوعية معنى أصلي في النكرة، فإذا اقتضاها المقام صارت غرضًا يقتضي تنكير المحكوم عليه المتمثل في المسند إليه، ك قول الله تعالى: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} (البقرة: 7) فقد نكر المسند إليه؛ لأن المقصود نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس؛ وهو غطاء التعامي عن آيات الله؛ أي: الإعراض عنها، ولو عرف المسند إليه فقيل: {وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ} (البقرة: 7) لانصرف اللفظ إلى المعنى المتعارف الذي هو الغطاء المعروف مع أنه ليس مرادًا، وليس القصد إلى فرد واحد من أفراد الغشاوة ب أن يكون المعنى وعلى أبصارهم غشاوة واحدة لا غشاوتان مثلًا؛ لأن الفرد الواحد منها لا يمكن أن يقوم بالأبصار المتعددة، فيتعين إذن أن يكون التنكير هنا للنوعية؛ لأنه هو الذي يقابل أبصارهم المتعددة.
ويرى بعض البلاغيين أن التنكير في الآية للتعظيم، وأن المراد غشاوة عظيمة؛ لأنها تحجب أبصارهم حجبًا تامًّا، وتحول دون إدراكها الأدلة على معرفة الله تعالى.
وإذا كانت النكات البلاغية لا تتزاحم - كما قلنا مرارًا - فيجوز أن يكون للتنكير هنا السران معًا التعظيم وقصد النوعية؛ لأن الغشاوة العظيمة التي هي غطاء التعامي عن آيات الله نوع خاص من أنواع الأغشية وليست من الأغطية المعروفة، ومن التنكير لقصد النوعية قول الشاعر:
لكل داء دواء يُستطب به ... إلا الحماقة أعيت مَن يداويها
فتنكير المسند إليه دواء بقصد النوعية؛ إذ ليس المراد المطلق دواء، وإنما المراد نوع خاص منه وهو الملائم للداء، وقد ينكر المسند إليه ب قصد تعظيمه؛ أي: أن يقصد المتكلم التنبيه على أن المسند إليه بلغ في ارتفاع الشأن درجة عظيمة هي أجل من أن توصف مثل قوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} (البقرة: 179) أي: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة؛ لأن فيه منعًا لهم عما كانوا عليه في الجاهلية من قتل جماعة بواحد متى اقتدروا؛ فالقصاص فيه حَقن لدماء هؤلاء جميعًا، وأي حياة أعظم من هذه الحياة؟
ففرق بين التعظيم هنا والتعظيم فيما سبق.
هذا؛ ويصح أن يكون السر في التنكير في الآية الكريمة التي معنا: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} قصد النوعية؛ أي: إفادة نوع خاص من الحياة وهو امتدادها الحاصل للهام بالقتل والمهموم بقتله بالارتداع عن القتل للعلم بالقصاص؛ فإن الإنسان إذا هم بالقتل تذكر الاقتصاص فارتدع عنه، فعصَم صاحبه من القتل، وهو من القود، وامتدت حياتهم إلى أجل، وهذا الامتداد نوع خاص من الحياة.