فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 536

{فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ...(194)}

وتعال معي لتتأمل ما جاء في قول الله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة: 194) وقوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} أي: جازوه على اعتدائه، ولكنه عبر عن المجازاة بالاعتداء؛ لأنه سببها، وقد سوغت هذه السببية أن تقيم الاعتداء مقامَ ما يترتب عليه وتنيبه عنها في الدلالة، ووراء هذا المجاز إبراز لقوة السببية بين الاعتداء وجزائه، وأنه - أعني: الجزاء - يجب أن يكون نتيجة ومحصلة لازمة للاعتداء، فهو لا يتخلف عنه، وكأن هذه الفاء أيضًا مشعرة بسرعة المكافحة وضرورة الترتب.

وليس هذا الذي أشير إليه متناقضًا مع الدعوة إلى العفو والحث عليه؛ لأن المقام في الآية الكريمة ليس مقام تسامح؛ لأنه يحدد الموقف بين المسلمين وغير المسلمين، وعندئذ لا عفو ولا تسامح حتى تظهر الشوكة والغلبة.

وانظر إلى الآية التي تشرع القصاص بين المسلمين وتحدد الصورة التي ينبغي أن تكون عليها علاقاتهم في هذا الشأن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة: 178، 179) تجد الترغيب في العفو والتسامح يشيع في التعبير. انظر إلى قوله: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ} ومعناه: فمن عفي له عن جنايته. انظر إلى كلمة: {أَخِيهِ} وما تفيض به في هذا السياق، وكيف أشارت إلى أن رابطة الأخوة قائمة بين المسلم والمسلم وإن كانت بينهما تارات وإِحن، وأن القرآن يذكر وَلي الدم بهذه الأخوة التي تربطه بالجاني؛ ليرغبه في العفو، وقوله: {فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ} وصية لولي الدم إذا قبل الديةَ أن يتبع الجاني بالمعروف ولا يعنِّف به في المطالبة.

فالاعتداء الأول {فَمَنِ اعْتَدَى} قد استعمل استعمالًا حقيقيًّا والاعتداء الثاني وهو قوله: {فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ} استعمل استعمالًا مجازيًا؛ لأن المراد به المجازاة والقصاص، فعبر بالسبب وهو الاعتداء عن المسبب وهو الجزاء والقصاص على سبيل المجاز المرسل، وتكمن بلاغة المجاز هنا بإبراز قوة السببية بين الاعتداء وجزائه، وأن الجزاء يجب أن يعقب الاعتداء فلا يتخلف عنه ويشعر بذلك هذه الفاء في قوله: {فَاعْتَدُوا} وما تقتضيه هذه الفاء من سرعة المجازاة، ولا يقال: إن هذا يتناقض مع الدعوة إلى العفو والحث على الصفح؛ لأن المقام هنا مقام تحد بين المسلمين والكفرة، فهو يقتضي الشدة والقوة وسرعة الردع، والمقام هناك بيان للمعاملة بين المسلمين بعضهم بعضا، وذلك أدعى للعفو والمصافحة، فلكل مقام مقال.

من ذلك قوله تعالى: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} (الشورى: 40) فالمراد بالسيئة الثانية {سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} الجزاء والقصاص الذي يتسبب عن السيئة الأولى، فهو من إطلاق السبب وإرادة المسبب على سبيل المجاز المرسل، والمعنى: وجزاء من فعل سيئة أن يجازى عليها، فأطلق على المجازاة سيئة باعتبار أن السيئة سبب والمجازاة مسببة عنها، فأطلق السبب وأراد المسبب. من ذلك قول عمرو بن كلثوم:

ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلين

فالجهل معناه في اللغة السفاهة والحمق، وقد أراد عمرو بن كلثوم بالجهل المسند إليه الصادر منه جزاء المعتدين وعقوبتهم على جهلهم وسفاهتهم، فهو مجاز مرسل حيث عبر بالسبب وأراد المسبب.

ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31) فقد عبر عز وجل عن المعرفة والعلم بالاختبار الذي هو سبب المعرفة على طريق المجاز المرسل؛ لأن علم الله عز وجل أزلي فهو عليم بكل شيء، ولا يحتاج في علمه إلى ابتلاء، وعليه فيكون المعنى: ونختبركم حتى نظهر حقيقتكم ونكشفها فيصبح علم الله متعلقًا بالمعلوم الواقع، إذن فهو أطلق الابتلاء وأراد انكشاف حقيقتهم المسببة عن هذا الابتلاء. من ذلك أيضا قول المتنبي:

أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم

فقد أراد أن يعبر عن شهرة أدبه وذيوع شعره، وبلوغه مبلغا جعل من له علم بالأدب ينظر إليه ويعلمه، ومن لم يسمع شعرًا يسمع كلماته ويدركها، وقد عبر الشاعر بالأعمى والأصم، وأراد من لا معرفة له بالأدب ولا علم عنده بجيده، والعلاقة كما هو معلوم بين المعنيين السببية فإن السمع والبصر من أسباب العلم بالأشياء، وعلى العكس فالعمى والصمم من أسباب الجهل بها والقرينة هي قوله: نظر، وأسمعت كلماتي، فإنه يستحيل أن يسمع الأصم أو يبصر الأعمى شيئا.

إذن فهو أطلق السبب في الإدراك، وهو السمع والبصر وأراد المسبب عنهما وهو ذيوع أدبه وشعره. من ذلك أيضا قول آخر:

أكلت دما إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

وهو يدعو على نفسه إن لم يحقق رغبته في الكيد لامرأته بضرة حسناء أن يقتل له قتيل، ويعجز عن الأخذ بثأره فيرضى بأخذ ديته ويأكل من هذه الدية، وقد عبر عن الدية بالدم والدم سبب فيها، وكان هذا طبعا عيبا عند العرب، فهو على أي حال مجاز أطلق فيه السبب وهو الدم على المسبب وهو الدية.

من ذلك أيضا إطلاق اليد على العطاء والنعمة؛ لأن اليد سبب في إيصال النعمة للمحتاجين، كما في قولهم: جلت يده عندي وكثرت أياديه علي وعمت أياديه الورى، يريدون بذلك نعمه وعطاياه، ويشترط في هذا الاستعمال أن يكون في الكلام إشارة إلى صاحب النعمة؛ ليكون كالقرينة، وهذا متمثل في الضمير العائد على الممدوح في الأمثلة المذكورة، ولذا لا يقال: كثرت الأيادي عندي.

ومن إطلاق اليد وإرادة النعمة قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه: (( أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدًا ) )ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل اليد مجازًا هنا عن العطاء أو الإنعام، ويدل على ذلك أفعل التفضيل إذا كان مشتقًا من الطول بمعنى الفضل، والمعنى عندئذ: أسرعكن لحوقا بي أفضلكن نعمة، والنعمة توصف بالفضل على جهة الحقيقة فلا ترشيح للمجاز عندئذ.

وقد كن - رضوان الله عليهن - يعتقدن حمل اليد على حقيقتها حتى بدا من خلال القرائن حمل اليد على المجاز، وكان على رأس هذه القرائن وفاة زينب - رضي الله عنها - بعده - صلى الله عليه وسلم - ومباشرة، وهي لم تكن أطول نساء النبي - صلى الله عليه وسلم - يدا من ناحية الذات، فدل هذا على إرادة المجاز لعلاقة السببية، أما حملها على ذلك بدون قرينة فلا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت