ومن أعذب ما جاء على هذا النسق من مجاز قول الله تعالى يحكي دعاء إبراهيم: {رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ} (الشعراء: 83، 84)
ففي هذا الجزء من الدعاء نجد إبراهيم - عليه السلام - يدعو بأمور يتصل بعضها بالحياة الدنيا، وهو الحكمة والصلاح، ويتصل بعضها الآخر بما بعد الموت وقبل النشور، وهو أن يكون له لسان صدق فيمن يأتي بعده من الأجيال، ولا معنى لأن يبقى لسانه الناطق بعد موته فيمن يعقبه من الناس، وإنما المراد به الذكر الحسن الذي يتوارثونه ويشيع فيهم، وبذا يكون قد أطلق اللسان وهو الآلة التي يحدث بها الذكر وينشأ عنها، وأريد به الذكر نفسه.
وإنما سلك هذا المسلك لبيان أهمية اللسان في حدوث الذكر الحسن وأهمية تنقية اللسان، فلا يصدر عنه إلا ما هو حسن من القول، ففي عفة القول، وتخلص اللسان من القدح في الأعراض ما يجعله مرغوبا فيه، وفيما يصدر عنه - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.