فهنا نجد الآية شبهت حال الكفرة في جمعهم بين الكفر وأعمال البر التي يعملونها في الدنيا، ويحسبونها نافعة ومقبولة عند الله، ثم يرونها خاسرة محبطة يوم القيامة؛ لأنها لم تقترن بالإيمان الذي هو شرط قبولها، ولهذا صورة المشبه لو أي جزء من هذه الأجزاء سقط؛ إذن فقد اختلَّت صورة التشبيه، شبه هذه الصورة بماذا؟ بحال الظمآن يرى السراب من بعيد، فيحسبه ماء، فيروي ظمأه، فإذا بلغه لم يجده شيئًا، كل هذه صورة المشبه به.
أي جزء؛ اختلَّ أو سقط. إذن لا يمثل حقيقة التشبيه في الآية الكريمة، ووجه الشبه بين هاتين الصورتين هو الهيئة العقلية الحاصلة من المنظر المطمع، مع المخبر الميئس يعني: الإنسان يطمع في شيء، فإذا جاءه يئس منه، ولم يجد معه شيئًا من مثل ذلك في وجه الشبه المركب العقلي ما جاء في قول ابن المعتز:
اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله ... فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله
فهنا شبه حال الحاسد يهمله المحسود بالإعراض عنه حتى يموت كمدًا وغيظًا، شبه هذا بحال النار التي تمد بالحطب الذي يديم بقاءها، فتأكل بعضها بعضًا حتى تصير رمادًا، كل هذه صورة المشبه به، وجه الشبه بين هاتين الصورتين هو الهيئة العقلية الحاصلة من سرعة الفناء؛ لعدم الإمداد بما يسبب البقاء والحياة، هذه صورة أيضًا جاء وجه الشبه فيها مركبًا عقليًّا، من ذلك قول أبي تمام:
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيب عَرف العود
فهنا شبه الفضيلة يتعرض لها الحاسد ليسترها ويغض من قيمتها، ويؤذي صاحبها، فيكون ذلك سببًا في ظهورها وشيوع أمرها، كل هذه صورة المشبه، شبه هذه الصورة أو الهيئة بحال العود مع النار، فإنها تظهر طيب رائحته، وتسبب انتشارها، فيعم النفع بها، وجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من ظهور فضل الشيء باتصاله بآخر شديد الضرر له، هذه صورة لوجه الشبه المركب العقلي.