نجد أنه صرَّح بالمشبه به وهو اللباس، فلو جعلنا المستعار له ما أصاب أهل القرية من هم وحزن، وهول، وفزع، واضطراب في التفكير بسبب ما حلَّ بهم من أحداث؛ كانت الاستعارة تحقيقية عقلية، ولو جعلنا ما أصابهم من الإعياء وصفرة الوجوه، وهزال الجسم بسبب تلك الأحداث كان الاستعارة حسية تحقيقية، والجامع بين اللباس والمستعار له وهو ما أصاب أهل القرية في كلٍّ هو الإحاطة والشمول؛ فقد أحاطت هذه الأحداث بأهل القرية، وتمكنت منهم وشملتهم كما يشمل اللباس صاحبه ويحيط به.
وأُنبِّه إلى دقة التعبير القرآني في هذه الآية الكريمة، فالقوم كانوا آمنين مطمئنين يأتيهم رزقهم رغدا من كل مكان، فكفروا بأنعم الله - عز وجل؛ فكان مقتضى صنيعهم شدة المؤاخذة وشمولها، ولذا عبَّر بالإذاقة ليفيد شدة الإصابة، وباللباس ليفيد الإحاطة والشمول، ولو قيل: فكساها الله لباس الجوع والخوف؛ لأفاد الإحاطة والشمول دون الشدة، وكذا لو قيل: فأذاقها الله طعم الجوع والخوف لأفاد شدة الإصابة دون الإحاطة والشمول.
وقوله تعالى: {فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ} هنا استعير اللباس للأحداث والمصائب التي حلَّت بأهل القرية، أو لما علا وجوههم وأجسادهم من صفرة وهزال، وقد ذُكر في الآية الإذاقة بمعنى الإصابة، وهي من ملائمات المستعار له؛ فالإذاقة بمعنى الإصابة تلائم الأحداث والمصائب، وما علا الوجوه من صفرة، ولا تلائم اللباس.