فهرس الكتاب

الصفحة 188 من 536

{فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ ...(88)}

كما أنه قد يتحد كل من المسند والمسند إليه ولا تجد مسوغًا للفصل على نحو ما ترى في قولك: انظر إلى غزارة علم عمرو، وانظر إلى هذا القطع في ثوبك، فمثل هاتين الجملتين لا يجمعهما سياق واحد، لا منفصلتين ولا موصولتين، على الرغم من اتحاد المسند والمسند إليه في كلٍّ منهما، وقد يختلف كلٌّ منهما في الجملتين وتوجد المناسبة المسوِّغة للوصل، على نحو ما ترى في قوله تعالى: {فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ}

فالمسندُ إليه فيهما الضر، وإخوة يوسف مختلفان لا تناسب بينهما، وكذلك المسندان المس والمجيء، وعلى الرغم من هذا وصلَ بين الجملتين لوجود المسوّغ للوصل وهو أن المسّ سببٌ في المجيء. وهذا - في حد ذاته - من محسنات الوصل؛ إذ من محسناته أن تتناسبَ الجملتان في الاسمية والفعلية، وفي المُضي والمضارعة، وفي الأمر والنهي، وفي الإطلاق والتقييد، انظر إلى قوله تعالى مثلًا: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} (الانفطار: 13، 14) تجد تناسب الجملتين في الاسمية، ومنه قول الشاعر:

أُسودٌ إذا ما أبدت الحرب نابها ... وفي سائر الدهر الغيوث المواطر

ومن تناسبهما في المضي قوله تعالى: {فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الأنفال: 26) وقول الشاعر:

أعطيت حتى تركت الريح حاسرةً ... وجُدت حتى كأن الغيث لم يَجُد

ومن تناسبهما في المضارعة قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ} (آل عمران: 26) ، ومن تناسبهما في الأمر والنهي قوله تعالى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا} (الأعراف: 31) ، وقوله عز وجل: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِير} (لقمان: 17 - 19) . ومن تناسبهما في التقييد قول الشاعر:

دنوتَ تواضعًا وعلوت مجدًا ... فشاناك انحدارٌ وارتفاع

وإنما يعد التناسب فيما ذُكر من محسنات الوصف: ما لم يدع داعٍ إلى المخالفة، فلو دعا داعٍ إلى المخالفة كان الحسن في تلك المخالفة التي دعا إليها هذا الداعي واقتضاها المقام، انظر مثلًا إلى قوله عز وجل: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} (النساء: 142) فقد آثر التعبير بالمضارع {يُخَادِعُونَ} ؛ ليفيد أن خداع المنافقين حادث متجدد وبالاسم {خَادِعُهُمْ} ؛ ليفيد أن فعل الله ثابت ودائم في جميع الأحوال، وفي هذا زيادة في التنكيل والتعذيب، ومن ذلك قوله تعالى: {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} (البقرة: 87) يقول الزمخشري في بيان السر البلاغي للمخالفة في الآية:"فإن قلتَ: هلا قيل: وفريقًا قتلتم؟ قلتُ: هو على وجهين؛ أن تراد الحال الماضية؛ لأن الأمر فظيع، فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يُراد: وفريقًا تقتلونهم بعد؛ لأنكم تحومون حول قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - لولا أني أعصمه منكم". انتهى.

وبهذا يتضح لك أن المقام قد يقتضي عدم تناسب الجملتين فيما ذُكر، وعندئذ يكون الحسن فيما اقتضاه المقام ودعا إليه الحال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت