فهرس الكتاب

الصفحة 263 من 536

{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى(17)قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى(18)}

من ذلك أيضًا: الرغبة في بسط الكلام وإطالته، وذلك داع مشهور من دواعي ذكر المسند إليه، ويتأتى حيث يكون إصغاء السامع مطلوبًا للمتكلم لخطر مقامه أو لقربه من قلبه، ولهذا يطال الكلام مع الأحبة، ومن ذلك قول الله تعالى حكايةً عن سيدنا موسى - عليه السلام: {هِيَ عَصَايَ} (طه: 18) وكان يكفي في الجواب أن يقول: عصا، لكنه ذكر المسند إليه وهو الضمير وأضاف العصا إلى نفسه؛ حبًّا في إطالة الكلام بحضرة ذي الجلال؛ لأنه تشريف، ولهذا لم يكتفِ موسى - عليه السلام - بذكر المسند إليه، بل أعقب ذلك بذكر أوصاف لم يُسأل عنها، فقال: {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه: 18) وقد سأله سبحانه وهو بكل شيء؛ لأنه - والله أعلم - أراد لفت انتباهه إلى العصا حتى يتبينها، ويعرف أنها ليست إلا عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، فهي يابسة جامدة حالها كحال أي عصا، فإذا تلقى الأمر بإلقائها وألقاها ورآها حيةً تسعى، كان ذلك أبين في إبطال قانونها وإحالته عن وصفها بخلق الحياة والحركة فيها، وهذه هي آية الألوهية ومعجزة النبوة.

كذا ذكره دكتور محمد أبو موسى في (خصائص التراكيب) .

(فائدة)

أما علم البيان: فهو يُعنى باستقصاء الطرق التي ترد عليها هذه التراكيب من تشبيه، واستعارة، وتعريض، وكناية.

إذن فمهمة البلاغة البحث عن المعاني الثانوية في الجمل الوضعية، أو اللغوية، وعن معنى المعنى في الجمل الفنية أقصد مشتملة على ألوان البيان من مجاز، وكناية، فخذ مثلًا قول الله تعالى: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} (طه: 17) تجد أن الله - سبحانه وتعالى - حينما سأل موسى - عليه السلام - عما بيمينه وكانت عصا {قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه: 18) .

أتناول الآن معنى كلمة المعاني الثانوية، أو الاعتبار المناسب، أو كلمة النظم، أو الخصائص التراكيب معناها عن طريق هذه الآية، فأي واحد يأتي ويقول: هذا سؤال من الله، وهذا جواب من موسى - عليه السلام: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه: 17، 18) ، لكن البلاغي لا ينظر إلى مجرد هذه الكلمات وحسب، فما يقتضيه الكلام أن الجواب لا بد أن يكون على قدر السؤال، فعندما يسأل ربنا - جل وعلا - موسى - عليه السلام - ويقول له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى} الأصل أن يقول: عصا، هكذا دون حتى ما ذكر للمسند إليه؛ لأنه مفاد من خلال السؤال، لكن موسى - عليه السلام - يقول: هي، فيذكر المسند إليه هو المبتدأ، {هِيَ عَصَايَ} ، لا يكتفي بكلمة عصا، بل يضيفها إلى نفسه، ثم يقول بعد ذلك {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي} رب العزة سبحانه لم يطلب منه هذا كله، ولم يقل له: ماذا تفعل بهذه العصا، لكنه يقول ذلك من باب التلذذ بحضرة الله - سبحانه وتعالى؛ لأنه يكلم من؟ يكلم رب العزة - سبحانه وتعالى، ولذلك كان من أشياء التي يعاقب الله بها هؤلاء الذين يستحقون العقاب يقول: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ} (آل عمران: 77) فجعل ذلك عقابًا لمن يستحق هذا العقاب.

إذن فالكلام مع الله فيه استشعار للذة، وهذا ما كان لموسى - عليه السلام - {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى} (طه: 18) ، وكأنه كان ينتظر من الله - سبحانه وتعالى - أن يقول له: وما تلك المآرب الأخرى، هذه المعاني ما كان لها أن تفهم بحال من الأحوال إلا بتعاطي علوم البلاغة، وهذه المعاني هي التي تُسمى المعاني الثانوية يعني: التي تضاف للمعاني اللغوية، أو الوضعية التي تواضع عليها العرب، كذلك عندما تقول مثلًا: ما أنا قلت هذا، هنا إثبات، أي واحد ممكن أن يقول: هو نفي للقول عن نفسه، لكن البلاغي لا ينظر إلى مجرد هذا، وإنما يجد أن هنا تقديم

المسند إليه المنفي على الخبر الفعلي، وهذا يفيد الاختصاص، وعليه فهذه الجملة تفيد ثلاثة أمور:

الأمر الأول: إثبات للقول أن قولا قد قيل.

الأمر الثاني: هو أنه نفاه عن نفسه على جهة الاختصاص.

الأمر الثالث: أنه خص به غيره.

ولذلك لا يصح بلاغة أن نضيف على هذه الكلمة أو هذه العبارة،"ولا قاله أحد غيري"؛ لأنه بذلك يكون قد نقض نفسه، ما أنا قلت هذا. يعني: معنى ذلك أن غيره قد قاله، فعندما يقول: ولا قاله غيري إذن، يكون بذلك قد ناقض نفسه. هذه معاني ثانوية ما كان لها أن تُفهم إلا بتعلم علوم المعاني، وأسرار ذكر المسند إليه، وأسرار تقديمه إلى آخر ذلك.

وأنت إذا نظرت إلى قولهم:"هو كثير رماد القدر": وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة، لم تعرف ذلك من اللفظ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنه كلام قد جاء عنهم في المدح، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد على أنه تُنصب له القدور الكثيرة، ويُطبخ فيها للقرى والضيفان، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ كثر إحراق الحطب، وإذا كثر إحراق الحطب تحتها؛ كثر الرماد لا محالة. وهكذا السبيل في كل ما كان كناية، وإذا قد عرفت في الكناية، فالاستعارة في هذه القضية.

هذا بالنص كلام عبد القاهر، وأنا أردت أن أسوقه؛ لأبين أن كلام عبد القاهر عندما يذكر في (دلائل الإعجاز) أو (أسرار البلاغة) ، إنما كلام تستشعر منه عظمة العبارة وعظمة القائل، وهكذا تكون البلاغة، فأنت تقرأ في كلام عبد القاهر تستمتع، وتستشعر معاني البلاغة بحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت