فهرس الكتاب

الصفحة 382 من 536

{طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ(65)}

إن المركبات الوهمية تدخل في دائرة التشبيهات العقلية، فقول الشاعر وامرئ القيس:

أيقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال

هنا شبه السنان بأنياب الأغوال، فالمشبه به في البيت وهو أنياب الأغوال من المعاني الوهمية، التي لا دخل للحس في إدراكها، لكن الشاعر استغلها لتهويل شأن الأسنة التي يحملها، ويدافع بها عن نفسه، وإبرازها كذلك في صورة مرعبة مفزعة، البلاغيون ذكروا أو أدرجوا تحت هذا اللون قول الله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65) ، فرءوس الشياطين من المعاني الوهمية، وقد أبرزت قبح هذا الطلع وفظاعته، لكن في الحقيقة هذا كلام لا يليق بحال من الأحوال. فما جاء في القرآن الكريم لا يجوز لنا أن نسميه بحال من الأحوال أمور وهمية؛ فالآية الكريمة {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65) اعتمدوا البيانيون فيها على بيان حالتها، وعلى ما تتخيله النفوس للشيطان من رأس قبيحة جدًّا، وبالغة في النفرة والكراهية، والشجرة كما نعلم شجرة غريبة لم توجد على أساس القانون الطبيعي؛ لوجود الشجر من تربة فيها حياة وماء، وإنما هي شجرة تخرج في أصل الجحيم، وهي شجرة شاذة وغريبة، فنسبتها هذه الرءوس الغريبة رءوس الشياطين طبعًا، هذا كلام يقوله البيانيون، لكن مؤدَّاه في النهاية إنكار مثل هذا في يوم القيامة؛ لأن هذا غيب.

وما ذكره القرآن الكريم عن جهنم، وما فيها من زقوم، وما فيها من طعام لأهل الجحيم شبهه بأن طلعها، طلع شجرة الزقوم كأنه رءوس الشياطين، كل هذا غيب لا نستطيع إدراكه بحال من الأحوال، ولو أن جعلنا المشبه به وهو رءوس الشياطين من الأمور المتوهمة التي لا حقيقة لها في الواقع؛ إذن فهذا يستلزم أن نجعل النار كذلك، فإذا كان رب العزة قد أخبر عن أن النار هكذا حالها، وأن زقومها طلعه كأنه رءوس الشياطين. إذن فالأمر كما ذكر القرآن وكما جاء في كتاب الله - سبحانه وتعالى، طبعًا الزمخشري يربط بين هذه التشبيهات وبين تشبيهات مثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة: 275) ، فيربط بين هذا وبين الذي استهوته الشياطين في الأرض حيران إلى غير ذلك، ولا يرى بأسًا من أن تكون صورة المشبه به في الأمرين منتزعًا من معتقدات العرب من غير نظر إلى أن ذلك واقع، أو غير واقع، لكن أهل السنة يرون أن هذا مرفوض، ويقررون أن هذه الصورة مستمدة من الواقع، وأن القرآن في بناء تراكيبه وصوره لم يعول على خرافة من خرافات العرب؛ لأن في ميدان الحقائق الصادقة ما يفي بالأغراض، بل ويزيد المعنى عمقًا وتأثيرًا؛ فالشياطين تستهوي، وتخبط، وتمس إلى غير ذلك مما تشير إليه الآيات، والمهم عندنا أنهم يقولون: إن المراد بهذا التصوير، هو تصوير المرابي الذي يتخبطه الشيطان من المس حين يقوم يوم القيامة أنه يتخبط في قيامه؛ لأن الربا يربو في بطونهم حتى يتلفها، وفي هذا إهانة لهم، وتشهير بهم.

وهذا يعني: أن التشبيه لا يصف أحوالًا نفسية، وإنما يصف مشهدًا بمشهد، فهذا كله يدلنا على أن ما جاء في قوله تعالى: {طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ} (الصافات: 65) يقاس على مثل هذا، وأن فيه تصوير لعذاب أهل النار، ومن أنهم يأكلون الزقوم الذي طلع شجرها، كما وصف ربنا في كتابه العزيز، هذا كلام يسوقه الدكتور محمد أبو موسى في كتابه (تصوير البيان) وأنا أرى ترجيح ما يراه، أو ما عليه أهل السنة والجماعة؛ حتى لا نخالف ما جاء في كلام الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت