{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) }
ومن المجاز الذي جاء على هذه الصورة قول الله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (آل عمران: 106، 107) فالمراد بالرحمة هنا الجنة، والجنة - كما لا يخفى - حال هذه الرحمة، والقرينة الدالة على أن لفظ الرحمة أطلق على المحل الذي توجد فيه حرف الجر في، وهو دال بأصل وضعه على الظرفية، والرحمة ليست مكانا يحل فيه من ابيضت وجوههم، وإنما لم يعبر عن الجنة باسمها؛ لأن في لفظ الرحمة إيماء إلى أن دخولهم الجنة إنما هو بفضل الله لا باستحقاقهم له. وشبيه بهذه الصورة قول الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} (الانفطار: 13) .
كذا قول الشاعر يرثي معن بن زائدة:
ألما على معن وقولا لقبره ... سقتك الغوادي مربعا بعد مربع
الغوادي يعني بها السحاب، وهو هنا يدعو لقبره بالسقيا أربعة أيام يتلوها أربعة أخرى كناية عن الكثرة، فالنزول بمعن غير ممكن؛ لأنه ميت وهذا يعني أنه أطلق الحال، وهو معن، وأريد به المحل وهو القبر، وفي ذلك إيحاء بقوة المحبة له وللمكان الذي يقيم فيه، ولولا وجود معن في القبر لما دعا له بالسقيا. من ذلك أيضا قول الشاعر:
قل للجبان إذا تأخر سرجه ... هل أنت من شرك المنية ناجي
يريد إذا تأخر فرسه إذ السرج حال، والفرس محل له.
من هذه العلاقات التي هي للمجاز المرسل المحلية، وهي أن يعبر بالمحل ويراد الحال فيه، أو كما يقولون: إطلاق المحل وإرادة الحال فيه.