و"كم"يُستفهم بها عن العدد كقوله تعالى: {قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ}
ويسأل بها أيضًا عن تمييز الزمان أو المكان أو الحال أو العدد، وكذا عن تمييز العاقل وغير العاقل، فهي تكتسب معنى ما تضاف إليه، فتقول في السؤال بها عن تمييز الزمان: في أي يوم عاد البطل؟ وعن المكان: في أي مكان نلتقي؟ وعن الحال: على أي حال تركت أباك؟ وعن العدد: إلى أي عدد بلغت دراهمك؟ وعن العاقل: أي الرجلين أكبر سنًّا، وعن غير العاقل: أي جواد امتطيت؟ تلك هي معاني أدوات الاستفهام، وهي وإن كانت لا تخلو من فوائد ودقائق واعتبارات بلاغية - وبخاصة بناء الجمل مع الهمزة وهل - إلا أن جل اهتمام البلاغيين يتجه إلى المعاني البلاغية التي تفيدها أساليب الاستفهام؛ كالإنكار والتعجب والاستبعاد والتهديد والتهكم والتحقير، ونحو ذلك من مستتبعات التراكيب.
وإنما قلنا: من مستتبعات التراكيب؛ لأن الاستفهام قد دخلته هذه المعاني، وشابته وصار بإفادته لها استفهامًا غير محض؛ إذ التنبيه وإيقاظ المخاطب، وحثه على التأمل الذي هو لب الاستفهام؛ لا يفارقه عند إفادة تلك المعاني، التي منها الاستبطاء، كما في قول الله تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ} (البقرة: 214) فالخطاب في الآية الكريمة للصحابة - رضوان الله عليهم - والمعنى: أحسبتم أن تدخلوا الجنة بلا ابتلاء وتمحيص، وقد جرت سنة الله أن يبتلي عباده! فقد ابتلى الأمم قبلكم ابتلاءً شديدًا، ومستهم البأساء والضراء حتى قال الرسول - وهو أعلم الناس بالله وأوثقهم بنصره - وقال الذين آمنوا معه لشدة ما حلّ بهم ونزل: متى نصر الله؟ فقد استطالوا مدة العذاب واستبطئوا مجيء النصر، وسر التعبير بأسلوب الاستفهام في مقام الاستبطاء هو إظهار المعاناة من طول الانتظار وجذب انتباه السامع ودعوته للمشاركة والنظر فيما نزل وحل، ولا يخفى عليك ما للسياق في الآية الكريمة من إبراز وتصوير لحال هؤلاء القائلين وما حل بهم من ابتلاء وشدة، جعلتهم يتطلعون إلى فرج الله ونصره، الذي طال انتظارهم له.