قال الإمام عبد القاهر في (دلائل الإعجاز) وإذ قد عرفت الحكم في الابتداء بالنكرة في الاستفهام فابن الخبر عليه، فإذا قلت: رجل جاءني لم يصلح حتى تريد أن تعلمه أن الذي جاءك رجل لا امرأة، ويكون كلامك مع من قد عرف أن قد أتاك آت، فإن لم ترد ذلك كان الواجب أن تقول: جاءني رجل، فتقدم الفعل، وكذلك إن قلت: رجل طويل جاءني، لم يستقم حتى يكون السامع قد ظن أنه قد أتاك قصير، ونزلته منزلةَ مَن ظن ذلك.
وخلاصة مذهب عبد القاهر يدور - كما ترى - في الغالب حول أداة النفي؛ فإن كانت سابقة على المسند إليه أيًّا كان نوعه أفاد الكلام التخصيص قطعًا، وإن لم تسبقه أداة نفي بأن تأخرت عنه أو لم توجد في الكلام أصلًا فننظر إلى المسند إليه؛ إن كان معرفة ظاهرًا أو ضميرًا احتمل الكلام التخصيص والتقوي، فتارةً يفيد التخصيص، وتارةً يفيد التقوي، وتارةً يفيد التقوية فقط، حسبما يقتضي المقام، وإن كان المسند إليه نكرة أفاد تقديمها التخصيص قطعًا، وبهذا تدرك أن تقديم المسند إليه النكرة على الفعل مفيد للتخصيص دائمًا بغض النظر عن النفي تقدم أو تأخر، أو لم توجد بأن كان الكلام على الإثبات، وفي هذا الحكم للنكرة يتفق السكاكي مع عبد القاهر - كما سنعلم ذلك إن شاء الله من مذهبه -.
هذا هو مذهب عبد القاهر الجرجاني. غير أن هناك أساليبَ قد وردت متحققًا فيها شرطه لإفادة التخصيص ومع ذلك لم تفد مثل قوله تعالى: {لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ * بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ}
فقوله: {وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ} ، {وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ} قدم فيه المسند إليه على الخبر الفعلي، وهو مسبوق بحرف النفي، ومع هذا أفاد التقوية فقط؛ لأن التخصيص يقتضي أن غيرهم يُنصر من عذاب الله وينظر حتى تأتيه الساعة وذلك لا يكون.
انتهى من كلام الشيخ أبو موسى في كتابه (خصائص التراكيب) .
ويمكن أن يجاب عن مثل هذا بحمل ما قرره عبد القاهر على الكثير الغالب وإن لم يقصده هو؛ لأن القواعد في جلها أو كلها أغلبية حتى لا نكاد نجد قاعدةً عامةً لم تنخرم، ومن هنا قال علماء الأصول: ما من عام إلا وخُصِّص حتى هذه القاعدة قد خصصت بقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (العنكبوت: 62) .
هذا؛ وإن أدركتَ معنى التخصيص فيما سبق بأنه قصر نفي الفعل على المسند إليه المتقدم وإثباته لغيره في حالة النفي، أو قصر الفعل على المسند إليه ونفيه عن غيره في حالة الإثبات؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه: ما معنى التقوية؟ وما هو سببها؟
نقول: إن التقوية تأكيد الحكم الإسنادي وتقريره في ذهن السامع، والسر في إفادة تقديم المسند إليه على خبره الفعلي توكيد الحكم وتقويته، أن الاسم لا يؤتى به معرًّى عن العوامل إلا لحديث قد نوي إسناده إليه فإذا قلت: عبد الله مثلًا، فقد أشعرت قلبَ السامع أنك أردت الحديثَ عنه، فإذا جئت بالحديث - وهو الفعل - فقلت: قام أو فعل كذا دخل على القلب دخول المأنوس وقبله قبول المطمئن؛ لأنك قد وطَّأت له وقدمت الإعلان فيه، وذلك لا محالةَ أشد لثبوته وأمنع للشك فيه، هذا ما يراه الإمام عبد القاهر.
والأوضح في بيان سبب التقوية أن يقال برأي السكاكي من أن السبب يتمثل في تكرر الإسناد، حيث نجد الفعل قد أسند إلى الاسم المتقدم مرتين؛ مرةً بطريق غير مباشر؛ لأن فاعله ضمير يعود على الاسم المتقدم، ومرةً بطريق مباشر؛ لأن الجملة من الفعل والفاعل خبر عن هذا الاسم المتقدم؛ ففي قولك مثلًا: زيد قام تَسند القيام إلى زيد مرتين، مرةً باعتبار أنه مرجع الضمير المستتر الذي أعربته فاعلًا لقام، ومرةً باعتبار أن الجملة كلها من الفعل والفاعل خبر عن المبتدأ زيد، وهذا التكرار للإسناد هو سبب وسر التقوية والتأكيد؛ ولذلك قالوا: إن قولهم: أنت لا تكذب، أقوى في نفي الكذب من قولهم: لا تكذب أنت؛ لتكرر الإسناد في الأول دون الثاني.
ومن هنا يعلم أن كل تركيب مفيد للتخصيص قطعًا أو احتمالًا هو بعينه مفيد للتقوي، وإن كان غير مقصود لوجود مقتضى التقوي وهو تكرر إسناد الناشئ من تقديم المسند إليه على الخبر فعلًا، أما التقوي فلا يلزمه التخصيص لتوقف التخصيص على شروط معينة لا يلزم تحققها من وجود تكرر الإسناد.