ومن روائع الكناية عن هذا المعنى: قوله تعالى عن قوم موسى بعد أن عبدوا العجل: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
وتطالعنا الكناية في قوله: {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} فقد أُطلق السقوط في اليد وأريد منه الندم، وهذا النسق التعبيري الذي حمل تلك الكناية، لم تجرِ به ألسنة العرب قبل أن يلج القرآن مسامعهم. قال الزجاج: {سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} أي: ندموا، وهذه اللفظة لم تسمع قبل القرآن ولم تعرفها العرب. وكأنما لمح الزمخشري من عدم ورودها على ألسنة العرب شيئًا، فلم يرها كناية عن مجرد الندم، وإنما رآها كناية عن شدته. وقد أبان عن ذلك بقوله: {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ} أي: ولما اشتد ندمهم؛ لأن من شأن مَن اشتد ندمه وحزنه أن يعض يده غمًّا فتصير يده مسقوطًا فيها؛ لأن فاه قد وقع فيها.
وقيل: من عادة النادم أن يطأطئ رأسه ويضع ذقنه على يده معتمدًا عليها، ويصير على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه فكأن اليد مسقوط فيها، وهو قول ينم عن ذوق بصير باللغة وإيماءاتها، خبير بما تجري به عاداتهم في مواقفهم المختلفة، فهو يلحظ مواءمة الألفاظ للأحداث كما يربط بين الأحداث وسلوكيات الناس في مواجهتها.
ومما جرى من الكناية عن صفة على ألسنة الشعراء وهي كثيرة في أشعارهم: قول ابن خفاجة في قصيدة يصف فيها الجبل:
وأرعن طماح الذؤابة باذخ ... يطاول عَنان السماء بغارب
يسد مهب الريح من كل وِجهة ... ويزحم ليلًا شهبه بالمناكب
في هذين البيتين يصف الجبل بالارتفاع والضخامة ويفهم ارتفاعه من قوله:"يطاول أعنان السماء"، وقوله:"يزحم شُهبه بالمناكب"، فمطاولة السحب ومزاحمة الشهب إنما هي آية الارتفاع الشاهق، أما الضخامة فيعبر عنها قوله:"يسد مهب الريح عن كل وِجهة"، وللسامع أن يتصور مدى ضخامة الجبل حين يسمع عنه وهو يصد الرياح دون الوجهة التي تنطلق نحوها، ولكن الشاعر لم يسق هذه الصفات سوقًا مباشرًا، بل قدم ما يشير إليها، وترك لمتذوق فنه أن يستشف مراميه، وشبيه بما قاله ابن خفاجة قول البحتري يصف قصرًا:
ملأت جوانبه الفضاء وعانقت ... شُرفاته قطع السحاب الممطر
وحين ترى قصرًا ملأت جوانبه الفضاء ولامست شرفاته السحاب، فإنك ستدرك على الفور ضخامته وارتفاعه، غير أن مبالغة البحتري أبعد مدًى من مبالغة ابن خفاجة؛ إذ الأول يصف قصرًا والثاني يصف جبلًا، ولن تكون ضخامة قصر وارتفاعه مماثلة لما يكون من ذلك في الجبل، للوصفين مبالغة عند الشاعرين، ولكنها أقرب إلى النفوس عند ابن خفاجة. ومما نلفت إليه أن صفة الارتفاع المكنَّى عنها بالمطاولة والمزاحمة والمعانقة صُبت في إطار الاستعارة، فتآزرت الاستعارة والكناية عند الشاعرين في رسم صورة ضخمة لذلك العلو ترينا الخيال محلقًا في آفاق لا حدودَ لها.
وتجري الكناية القريبة عن صفة على ألسنتنا كثيرًا ربما دون أن ندري، فتقول مثلًا: فلان طاهر الذيل ونقي الثوب، كناية عن العفاف والطهر، فطهارة الذيل ونقاء الثوب صفتان يلازمهما عادةً صفة العفاف وصفة الطهر، وقوله: فلان شب عن الطوق، كناية عن اجتيازه مرحلة الطفولة إلى مرحلة اليفاعة والشباب، فالشب عن الطوق صفة تلازمها عادةً صفة اجتياز مرحلة الطفولة وكذا قولهم: ضرب فلان كفًّا بكف، كناية عن الندم والتحسر. أصبح فلان يمشي على عكاز، كناية عن ضعفه وكِبر سنه، وفلان كثير الرماد وجبان الكلب ومهزول الفصيل، كناية عن الكرم والجود، وفلان طويل النجاد، كناية عن طول القامة، وقضَّب وجهه وانتفخت أوداجُه، كناية عن الغضب، واحمر وجهه، كناية عن الخجل، حدثني بلغة المدفع، كناية عن القوة، ونظر إلى الدنيا بمنظار أسود، كناية عن التشاؤم، وفلان ناعم الأظفار، كناية عن قلة الخبرة والتجربة إلى غير ذلك.