وخذْ مثلًا قوله تعالى: {وإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ}
فإنك تجد أن جملة {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} والجملة المعطوفة عليها {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} بيان وإيضاح لجملة {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ؛ ولذا لم يُعطفا عليها بالواو لما بينهما من شدة ترابط وقوة تلاحم وكمال اتصال.
ثم انظر إلى قوله عز جل: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} (إبراهيم: 6) تجد أن الواو في هذه الآية قد وَصلت جملتي {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} {وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} وذلك لأن المقام هنا مقام تذكير بنعم الله تعالى: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} وهذا يقتضي تعداد النعم، فجعل الإنجاء من سوء العذاب نعمة،، وإنجاء الأبناء من التذبيح نعمة أخرى، وكأن التذبيحَ جنسٌ آخر لأنه أوفى على جنس العذاب وزاد عليه، ثم جاء إنجاء النساء من الاستحياء نعمةً ثالثة، أما في سورة البقرة فليس المقام مقام تذكير بالنعم، بل هو سرد للقصة وعرضٌ لها، وهذا قد اقتضى أن تكون الجملة الثانية وما عطف عليها: {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} (البقرة: 49) بيانًا وتفسيرًا للجملة الأولى: {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} وليستا جنسين آخرين مغايرين لسَوم العذاب.
يقول الزمخشري:"فإن قلت: في سورة البقرة: {يُذَبِّحُونَ} وفي الأعراف {يُقَتِّلُونَ} (الأعراف: 141) وها هنا {وَيُذَبِّحُونَ} مع الواو فما الفرق؟ قلتُ: الفرق أن التذبيح حيث طُرح الواو جُعل تفسيرًا للعذاب وبيانًا له، وحيث أُثبت جُعل التذبيح لأنه أوفى على جنس العذاب وزاد عليه زيادةً ظاهرة، كأنه جنس آخر"، انتهى من (الكشاف) .
وهذا هو شأن الواو عندما تأتي بين الجمل التي بينها كمال اتصال وقوة ترابط؛ لأن ما فيها من معنى التغاير الذي لا يبرحها ينعكس على هذه الجمل، فيوهم أنها معانٍ متمايزة ومختلفة، فوراء ذلك تكمن الأسرار والدقائق اللطيفة، وانظر إلى قول الله تعالى: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (الشعراء: 153، 154) ثم إلى قوله - عز وجل - في نفس السورة عن قوم شعيب: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} (الشعراء: 185 - 187) تجد أن الواو قد ذُكرت بين جملتي: {إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} (الشعراء: 153، 154) في مقالة أصحاب الأيكة لشعيب، وتُركت في مقالة ثمود لصالح.
ويُعلل الزمخشري ذلك بقوله:"فإن قلت: هل اختلف المعنى بإدخال الواو ها هنا وتركها في قصة ثمود؟ قلتُ: إذا أُدخلت فقد قصد معنيان كلاهما منافٍ للرسالة عندهم؛ التسحير والبشرية، وأن الرسول لا يجوز أن يكون مسحرًا ولا يجوز أن يكون بشرًا، وإذا تُركت الواو لم يُقصد إلا معنى واحد وهو كونه مسحّرًا، ثم قرر بكونه بشرًا مثلهم". كذا في (الكشاف) . وكأن أصحاب الأيكة أرادوا أن يُعددوا في مقالتهم الأسباب المنافية للرسالة؛ ولذا أضافوا: {وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ} (الشعراء: 186) فصارت الأسباب ثلاثة: كونه مسحرًا وكونه بشرًا وكونه من الكاذبين، أما ثمود فكأنهم لم يقصدوا تعدادًا لهذه الأسباب؛ ولذا ذكروا سببًا واحدًا وهو كونه مسحرًا، ثم قرروه بكونه بشرًا.