{اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) }
فمن الواضح أن هذه الآيات تسوق الدلائل المتعددة على قدرة الله تعالى بغية الوصول إلى أن الله قادر على كل شيء، وهو لذلك جدير بالعبادة وحده، وقد أوردت الآيات هذه الدلائل في أسلوب هادئ النبرات، يخاطب العقل والعاطفة معًا، ويشف عن معناه، كما يشف الروض عن عبيره؛ ولذلك جاء مقنعًا للذين يتفكرون ويعقلون. وما اختلاف أسلوب السور المكية عن السور المدنية إلا صدى لاختلاف طبيعة الموقف في مكة عنه في المدينة، فالإسلام في مكة كان يواجه أعتى قوى الشرك في محاولة مضنية لاقتلاع جذور الباطل بشتى صوره في تلك البيئة، ليرسي دعائم التوحيد على أساس سليم؛ لذلك اتسم أسلوبه في مكة بالقوة والحزم في مواجهة المشركين. أما في المدينة، فإن الوضع قد اختلف حيث توطدت أركان الإسلام، وأصبحت له دولة وساد جو الاستقرار الذي يسمح بتنظيم العلاقات الاجتماعية والسلوكية بين أفراد المجتمع الجديد. ولذلك أخذ القرآن يرشد المؤمنين إلى آداب السلوك، ويوجههم إلى الخير والصلاح، وذلك وضع يستدعي الأسلوب الهادئ المقنع الذي يصل إلى أغوار النفوس؛ ولذلك كان القرآن مثلًا أعلى للبلاغة العربية في أرقى مظاهرها، وأروع سماتها.
وبذلك يتبين لنا أن الكلام الذي يوصف بالبلاغة هو الذي يشتمل على خصائص في الصياغة وأوضاع في النظم، بها يكون الكلام وافيًا ومطابقًا للمقام الذي ورد فيه، فلا بد من مراعاة هذه الأحوال والمقتضيات، والملاءمة بينهما حتى يرتقي الكلام، ويزداد حسنًا وجمالًا، ويكتسي رونقًا وبهاء، ويكون له تأثيره الفعال في نفوس المخاطبين، أما مجرد التعبير عن المعنى بعبارات تليق به دون مراعاة للخواص والمزايا التي يقع بها التفاضل في الكلام الأدبي الرفيع، فليس من البلاغة في شيء؛ لأن الغرض منه مجرد تأدية أصل المعنى بعبارات تدل عليه، دون أن تترك أي أثر في نفوس السامعين. والمعروف أن الأدب نوع من التواصل الفكري؛ يهدف إلى نقل الإحساس بالجمال الفني إلى الآخرين، وإحداث جو من المشاركة الوجدانية بين المنشئ والمتلقي، وبقدر تأثيره في نفوس السامعين وإمتاعه لعواطفهم، وإقناعه لعقولهم يكون نجاحه في تحقيق غرضه.
بقي أن تعرف أن بلاغة الكلام لا بد فيها من فصاحة كلماته، وفصاحته على وجه العموم، وذلك بأن تسلم كلماته من العيوب المخلة بفصاحته، وهي: تنافر الحروف، ومخالفة القياس اللغوي والغرابة، كما لا بد أن يسلم الكلام أيضًا في مجموعه من تنافر الكلمات، وضعف التأليف، والتعقيد اللفظي والمعنوي، وبذلك يكون الكلام بليغًا لمطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته؛ أي باشتماله على الأمرين معًا، وبذلك يخرج كل كلام غير فصيح من البلاغة، وإن طابق مقتضى الحال، وكل بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا لجواز أن يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال. ومعنى هذا أن الفصاحة شرط في البلاغة، فالفصاحة أعم، والبلاغة أخص، ومعلوم أن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم من غير عكس، كما أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فإذا انتفت فصاحة الكلام انتفت بلاغته تبعًا لذلك، فثبت أن كل بليغ فصيح، وليس كل فصيح بليغًا.
ومطابقة الكلام لمقتضى الحال هو ما يسميه عبد القاهر في (الدلائل) النظم؛ وهو توخي معاني النحو فيما بين الكلم على حسب الأغراض التي يصاغ لها الكلام. والمقصود بمعاني النحو الخصوصيات التي هي مقتضى الحال من التقديم والتأخير والتعريف والتنكير والحذف والذكر، وغير ذلك. إن النظم أو العلاقات بين الكلمات في التراكيب هي مناط بلاغة الكلام عند عبد القاهر، وهو سر الحسن والروعة في الكلام؛ لأن جمال الصياغة هو محك القدرة ودليل البراعة، وأمارة الحذق والمهارة، وهو الذي يتفاضل فيه الفحول، وتختلف به أقدار الكلام؛ ولذلك اهتم به عبد القاهر، وأوسعه شرحًا وتفصيلًا في (دلائل الإعجاز) لأنه السبيل إلى فهم بلاغة القرآن الكريم، والوقوف على أسرار إعجازه، وخروجه عن طوق البشر.