فهرس الكتاب

الصفحة 89 من 536

{وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ...(11)}

ومثال ما دلت عليه قرينة قوله تعالى: {وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ}

فالضمير المستتر في الفعل: {تَرَكَ} وهو مسند إليه مرجعه المتوفى قد دلت عليه قرينة الحال، وذلك أن الكلام في الآية عن الميراث فالمرجع متقدم معنًى.

ومن أمثلة ما دلت عليه قرينة الحال قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} (ص: 32) فإن قرينة ذكر العشي والتواري بالحجاب مع سياق الكلام الدال على فوات وقت الصلاة تدل على أن الضمير يرجع إلى الشمس، وقد يرد الضمير في الكلام ولا يتقدم له مرجع في اللفظ تحقيقًا ولا تقديرًا، ولا يتقدم له مرجع في المعنى، وحينئذٍ يقال: إن مرجعه متقدم حكمًا، ويتمثل هذا في مرجع ضمير الشأن والقصة وضمير رب، كذا قيل في التقدم الحكمي.

مثال ضمير الشأن قوله تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف: 90) ومثال ضمير القصة قوله تعالى: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ} (الحج: 46) ومثال ضمير رب قولك: ربه فتن ًا، فالمرجع في كل ذلك متأخر لفظًا متقدم حكمًا، ونكتة التأخير كما قالوا: البيان بعد الإبهام أو التفصيل بعد الإجمال.

هذا؛ وقد قيل: إن مقامات الإضمار هذه مباحث لغوية لا تعلق لها بالبلاغة، فإن مقام التكلم يوجب ضمير المتكلم، ومقام الخطاب يوجب ضمير الخطاب، ومقام الغيبة يوجب ضمير الغيبة، ومِثل هذا لا يتحدث عنه في البلاغة. ولرد ذلك نقول: إن التعبير بهذه الضمائر في مقاماتها وإن كانت لغوية، فهي لا تخلو من أسرار ومزايا بلاغية تكمن وراء هذه التعبيرات يدركها كل من يتأمل السياقات ويترسم الأساليب، كما نرى ذلك في ضمير المتكلم، حيث يشعر بالاعتداد بالنفس ولذلك يؤتى به غالبًا في مقام الفخر على ما مر بنا في قول عمرو بن كلثوم:

وقد علم القبائل من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا

بأنا العاصمون إذا أطعنا ... وأنا الغانمون إذا عُصينا

وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أوتينا

وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا

وأنا التاركون لما سخطنا ... وأنا الآخذون لما هوينا

وانظر مثلا إلى قول الله تبارك وتعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِي الْمُقَدَّسِ طُوًى * وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (طه:11: 14) فإنك تجد أن التعبير بضمير التكلم: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ} ، {وَأَنَا اخْتَرْتُكَ} ، {إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا} أفاد من الإيناس والتلطف ما لا يفيده غيره خاصةً وأن الله - تبارك وتعالى - ينادي موسى أول مرة؛ فالمقام يحتاج إيناسًا وتلطفًا، وخذ مثلًا قوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) وتأمل إيثاره التعبير بضمير التكلم: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا} (الإنسان: 23) {وَإِنَّا لَهُ} (يوسف: 11) وما وراء ذلك من تأكيد الحفظ وبث الطمأنينة في نفس المؤمن.

ثم تأمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب ) )وما وراء التعبير بصيغة التكلم عن الاعتداد بالنفس وتمام الثقة وبث الطمأنينة في نفوس المؤمنين، وكذا القول في بيت عمرو بن كلثوم:

ورثنا المجد قد علمت معد ... نطاعن دونه حتى يبينا

ونحن إذا عماد الحي خرت ... على الأحفاظ نمنع مَن بُلينا

إذ لا يخفَى عليك ما يكمن وراء التعبير بضمير التكلم في الأبيات من الفخر والاعتداد بالنفس.

ونرى مثل هذا في التعبير بضمير المخاطب عند خروجه عن أصله، حيث إنه وضع في الأصل لمعين كسائر المعارف، ولكن الأصل في المعين المقصود بضمير المخاطب أن يكون مشاهَدًا حاضرًا كما تقتضي حقيقة الخطاب؛ لأن الخطاب توجيه الكلام إلى حاضر المشاهد، ومع ذلك قد يخرج الضمير عن هذا الأصل فيخاطَب به غيرُ المشاهد، والنكتة في ذلك تتمثل في الإشارة إلى أنه حاضر في القلب قريب من الخاطر كأنه نصب العين، مثل قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة:5: 7) ومثل قوله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ} (الأنبياء: 87) كما يخاطب به غير المعين بأن يراد مطلق مخاطب، وذلك حيث يراد تعميم الخطاب وتوجيهه إلى كل مَن يتأتَّى خطابُه، فالسر البلاغي في مثل هذا إرادة العموم، وإن الأمر المسند إلى ضمير المخاطب في الكلام مقصود به كل مَن يتأتى خطابه. مثل قول المتنبي:

إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا

وقول بشار بن برد:

إذا أنت لم تشرب مرارًا على ال ظم ا ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه

وقول الشاعر:

إذا ما كنت ذا قلب قنوع ... فأنت ومالك الدنيا سواء

وقول الآخر:

إذا أنت لم تعرف لنفسك حقها ... هوانًا بها كانت على الناس أهون

فليس المراد بالمخاطب في هذه الأبيات إنسانًا معينًا، بل المراد كل من يتأتى خطابه، والسر هو التعميم في الخطاب إشعارًا بأن الأمور المتحدث عنها لها من الثبات في نفسها ما يجعلها صالحة لأن يخاطب بها كل إنسان. ومن هذا القبيل قولك: فلان لئيم إذا أكرمته أهانك وإن أحسنت إليه أساء إليك، فليس المراد بالضمير في قولك: إن أكرمت وإن أحسنت مخاطبًا معينًا حاضرًا كما هو الأصل في الخطاب، وإنما المراد مطلق مخاطب على معنى أي فرد من أفراد هذا المطلق: أكرم فلانًا اللئيم أو أحسن إليه، وقابله فلان هذا بالإهانة والإساءة.

وفي هذا إشارة إلى أن سوء معاملة اللئيم لا يختص بها واحد دون آخر، ومن أجل ذلك كان الخطاب عامًّا يشمل كل مَن يمكنك خطابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت