فهرس الكتاب

الصفحة 488 من 536

{لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون(6)}

ومن شواهد السلب والإيجاب أيضًا قول تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} (التحريم: 6) ؛ لأنه - عز وجل - سلب عن هؤلاء الموصوفين العصيان وأوجب لهم الطاعة، ومن المعروف هنا أن الذي يقابل المعصية هو الطاعة، وهي مستفادة من فعل المأمور به، أي: أن التضاد هنا بين المعاني وحدها دون الألفاظ، غير أن الناظر في الآية يتبين له عدم وجود تضادٍ بين المعنيين؛ لأن المعصية هنا منفية، وفعل المأمور به مثبت، والمؤدَّى واحد من التركيبين فلا تضاد إذن، ولكن الإمام فخر الدين بن الخطيب يقول في هذه الآية: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ} في الحال، {وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} في المستقبل، ومعنى هذا: أن التضاد لا يتم بين معاني التراكيب الموجودة، وإنما يتم بين أشياء خارجة عنها لا تُفهم من التراكيب ولا تدل عليها هذه العبارات والطباق لا يتم إلا بين الألفاظ والمعاني جميعًا، أو بين المعاني وحدها دون الألفاظ، أما ما يتم بين معانٍ لا تُستفاد من الألفاظ مباشرةً، فلا، ثم إن المستقبل لا يتضاد مع الحال، وإنما الذي يتضاد معه هو الماضي، فمن هنا لم يكن لهذا التأويل وجه مقبول في باب الطباق.

غير أن الخطيب القزويني حينما رفض أن يكون في الآية تضاد ذكر كلام الإمام فخر الدين بن الخطيب ورد عليه بما يصلح أن يكون ردًّا على بن أبي الإصبع وليس على الإمام فخر الدين، قال القزويني: قيل: ومنه قوله تعالى: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} (التحريم: 6) أي: لا يعصون الله في الحال ويفعلون ما يؤمرون في المستقبل، وفيه نظر؛ لأن العصيان يُضاد فعل المأمور به، فكيف يكون الجمع بين نفيه وفعل المأمور به تضادًّا، والذي قال: إن هناك طباقًا بين: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون} هو ابن أبي الإصبع وليس ابن الخطيب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت