فهرس الكتاب

الصفحة 217 من 536

{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ(94)}

ثم إن هناك استعارة محسوس لمعقول، ولا يكون الجامع فيها إلا عقليًّا كقوله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ}

فالآية خطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يبلغ الأمانة، ويوضح أمر الدين وضوحًا تامًّا لا يعود معه إلى خفاء، كما لا يلتئم الزجاج بعد كسر، فهنا استعير الصدع الحسي، وهو كسر الزجاج للتبليغ الذي لا ينمحي أثره وهو عقلي بجامع قوة التأثير في كلٍّ، ثم اشتق منه اصدع بمعنى: بلغ تبليغًا يبقى أثره.

ومن الاستعارات التي بُنيت على التمثيل عند عبد القاهر، أو التي يكون فيها المستعار له أمرًا معقولًا والمستعار منه أمرًا محسوسًا - كما يقول الخطيب - قول الله تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} (الحجر: 91 - 95) فالصدْعُ يكون في الأجسام، ومنه: صدع الزجاجة، وسمي الفجر صديعًا؛ لأنه يصدع الظلمة ويشقها. والمراد - كما يقول الزمخشري - فاجهر به وأظهره، يقال: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهرًا، كما يقال: صرح بها، فالصدع مستعار للجهر والإبانة، والعلاقة هي أن الصدع تنفصل به الأجزاء وتبين مقاطعها، كذلك الإبانة والجهر تتحدد بهما الحقائق وتنكشف الأغراب، ثم إنك ترى التمييز والتحديد في الصدع بعينك، وترى التحديد والتمييز في القول بفهمك وقلبك، فالذي في المشبه ليس هو الذي في المشبه به، وإنما هو شيء منه بسبيل، وهذا هو معنى التأول عند عبد القاهر.

وفي هذه الاستعارة معنى فوق ما تراه من تجسيد هذه الحقيقة الروحية، وهو الكشف المبين عن حقائق ما جاء به - عليه السلام - وصيرورته في هذه الصورة المحسوسة، وهو الصدع والشق الماثل في الأجسام، هذه الاستعارة فيها فوق ذلك الإشارة إلى وجوب الإعلان الواضح بكلمة الله في كل أمر من الأمور، وإن كان في هذا مصادمة لِمَا تعارف عليه الناس، ولما ألفوه في حياتهم وسلوكهم وعاداتهم. الأمر بالصدع هنا يعني زلزلة هذا المألوف، وشقه ومصادمته مصادمة تصدعه وتهدمه ما دام قائمًا في وجوده على غير منهج الله.

وهكذا فعل الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - فقد هدم ما ترسخ من عقائدهم وأعرافهم وما ترسخ في قلوبهم وضمائرهم، ثم إن هذه الاستعارة من وجه آخر تُرمَى في وجوه هؤلاء الذين يمالئون في كلمة الله وحدود حلاله وحرامه، بمصانعة الجهلة والطواغيت، وتأييد ضلالاتهم وانحرافاتهم، وإعطائها صبغة قرآنية، وكذلك الذين يصانعون العقائد والمذاهب المعاصرة فيتساهلون في تحديد وجهة نظر القرآن، أو يُلبسون في بعض جوانبها؛ ليُدنوا هذه النظم من القرآن أو يُدنوا القرآن منها، وهذا وغيره يخالف الإبانة الكاشفة التي جسدتها كلمة: {فَاصْدَعْ} .

وانظر إلى قوله: {بِمَا تُؤْمَرُ} وكيف عبر عن الدين وأمر الله بهذه الصيغة التي تبعد عن هذا الأمر عنصر البشرية وذاتية محمد - صلى الله عليه وسلم - فالذي ينادَى به ويجهر بالدعوة إليه أمر تلقاه وليس غير ذلك، ثم انظر إلى الأمر الذي تلاه: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} ، وكيف حدد موقف الداعي من جبهة العناد والضلال وأنه الإعراض عنهم؛ حتى لا تستهلك طاقة الداعية في لجاجتهم الغوغائية، وفي محيطهم السلبي المعطل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت