فهرس الكتاب

الصفحة 487 من 536

{عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا(5)}

وقول البلاغيين: إن الصفات لا يُعطف بعضها على بعض إلا إذا كانت متضادة، كما في قول الله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (الحديد: 3) أما إذا كانت غير متضادة فإنها تُذكر بالعطف كما في قوله عز وجل: {هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الحشر: 23، 24) واتكاؤهم في ذلك على ما جاء في قوله تعالى: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} (التحريم: 5) وأن الصفات قد توالت بلا عطف إلا {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} فقد عطفتا لما بينهما من التضاد، ونظيره كذلك ما جاء في قول الله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (التوبة: 112) حيث توالت الصفات بالعطف ما عدا صفتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد جاءت الواو بينهما لأنهما متضادان. قولهم هذا تعسف ظاهر، فقد ترد الصفات متضادة وبدون عطف، كما في قوله تعالى: {إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} (الواقعة: 1 - 3) وكما في قول امرئ القيس:

مكر مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل

كما ترد الصفات غير متضادة ومعطوفة مثل الآية المذكورة: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ} (غافر: 3) ومثل قوله تعالى: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (آل عمران: 16، 17) وقوله عز وجل: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ} (الأحزاب: 35) إلى آخر الآية، وكان الأولى من ذلك والأجدر أن تهتم الدراسات البلاغية بالبحث عن الأسرار الكامنة وراء الواو، وأن تكشف وتجلي سر مجيئها حين تأتي، وسر تركها حين تترك؛ فهذه الواو تفيد التغاير، وعندما تأتي بين الصفات فإنها تفيد كمال اتصاف الموصوفين بكل صفة منها على حدة.

انظر إلى قوله تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ} (آل عمران: 17) تجد أن الواو دلت على كمالهم في كل واحدة منها، هكذا ذكره الزمخشري في (الكشاف) ، وعندما تُترك الواو وتأتي الصفات متوالية بالعطف، فإنها تفيد كمال اجتماعها في الموصوف، خذْ مثلًا قول الله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ} (التوبة: 112) إلى آخر الآية، وقوله: {مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ} (التحريم: 5)

وتأمل فستجد أن ترك الواو أفاد أن هذه الصفات مجتمعة في الموصوفين، وكأنها صفة واحدة، فذكْر الواو بين الصفات يفيد أنهم كاملون في كل صفة على حدة، وتركها يفيد أنها مجتمعة فيه، كذا ذكره الزمخشري أيضًا. وعلى هذا فقول امرئ القيس:

مِكَرٍّ مفر مقبل مدبر معًا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل

يفيد أن هذه الصفات قد اجتمعت في الجواد في وقت واحد، من غير أن تكون مستقلّة متغايرة، ولو أنه قال: مِكر ومفر ومقبل ومدبر لما صح أن يقول:"معًا"، وكذا القول في الآية الكريمة: {لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ} (الواقعة: 2، 3) أي تخفض وترفع في زمنٍ واحد، ويقع منها الفعلان معًا، ولو قيل في غير القرآن: خافضة ورافعة لم يفد ذلك، وكذا قولنا: فلان كاتب شاعر، يخالف: فلانٌ شاعر وكاتب؛ فالأول أفاد اجتماع الكتابة والشعر، والثاني أفاد كمال اتصافه بكل صفة على حدة، وهكذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت