وقد يكون الداعي إلى التوكيد غرابة الخبر في ذاته، فيلجأ المتكلم إلى التوكيد ليزيل من نفس السامع ما قد يعلق بها من وحشة أو استغراب، ويهيئه لقبول الخبر والاطمئنان به، كقوله تعالى يخاطب موسى - عليه السلام - حين أوجس في نفسه خيفة من أفاعيل السحرة: {قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (طه: 68) فموسى - عليه السلام - واثق تمام الثقة في وعد ربه بالإظهار والتأييد، ولا يخالجه في ذلك أدنى شك، ولكنه لما رأى كيد السحرة أحس في نفسه بشيء من الدهشة والخوف، فكان الرد الإلهي {إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} مؤكدًا بإن وضمير الفصل واسمية الجملة، وذلك ليزيل من نفسه وحشة الشعور في هذا الموقف العصيب. ومنه قوله تعالى: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (القصص: 30) .
(فائدة)
وقد يكون التقديم من أجل المحافظة على الفاصلة. كما في قوله تعالى: {قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (طه:66: 68) . حيث قدم المفعول: {خِيفَةً} والجار والمجرور: {فِي نَفْسِهِ} على الفاعل؛ لأنه لو قدم عليهما فقيل: فأوجس موسى في نفسه خيفةً، أو فأوجس موسى خيفةً في نفسه، لكان في ذلك خروج على النسق الصوتي وإخلال بموسيقى النظم، وما لها من وَقْع في النفس وأثر في المعنى.
(فائدة أخرى)
ومن أغراض تعريف المسند: إفادة قصره على المسند إليه سواء عرف المسند بـ"أل"أو بالموصولية أو جاء مقيدًا. تقول مثلًا: زيد الشاعر، وعمرو الشجاع، وحاتم الجواد تريد بهذا قصر المسند على المسند إليه قصرًا ادعائيًّا؛ بهدف المبالغة في الوصف، ويكون ذلك غالبًا في مقامات المدح، والفخر، والرثاء، ونحوها.
وانظر مثلًا إلى قول المتنبي:
ودع كل صوت دون صوتي فإنني ... أنا الصادح المحكي والآخر الصبا
أراد المبالغة في قوة شاعريته، فقصر الصياح بمعنى: إنشاد الشعر عليه قصرًا ادعائيًّا، فهو الصائح وغيره من الشعراء يرددون صوته، وينهجون نهجه. ومن الخطأ أيضًا أن تقول في مثل هذا: عمرو الشجاع وخالد. إذ كيف تخص عمرًا بالشجاعة ثم تشرك فيها غيره؟ فالصواب أن تقول: عمرو وخالد الشجاعان، أو تنكر المسند فتقول: عمرو شجاع وخالد.
ومِن ذلك: قول ابن الدمينة:
ونحن التاركون على سليل ... مع الطير الخوامع يعترينا
الخوامع: يعني الجياع، يريد: أنهم هم الذين قتلوا سليلًا وتركوهم طعامًا للطير الخوامع، هم الذين فعلوا ذلك دون سواهم. وتأمل مع ذلك قول عمرو بن كلثوم:
وقد علم القبائب من معد ... إذا قبب بأبطحها بنينا
بأنا العاصمون إذا أُطعنا ... وأنا الغارمون إذا عصينا
وأنا المنعمون إذا قدرنا ... وأنا المهلكون إذا أوتينا
وأنا الحاكمون بما أردنا ... وأنا النازلون بحيث شينا
تجد أنه يفخر بقصر تلك الصفات عليهم قصرًا حقيقيًا ادعائيًّا، بمعنى: أنها لا تتعداهم ولا تتجاوزهم إلى غيرهم، على سبيل المبالغة والادعاء. وخذ عندك مثلًا: قول الله تعالى: {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى} (طه:67، 68) . أي: أنت الأعلى لا هُم. فتعريف المسند أفاد قصره على المسند إليه قصرا إضافيًّا. بمعنى: أنه لا يتعداه إلى هؤلاء السحرة.