ومنه: الاحتراز عن مساواة اللاحق بالسابق، كما في قول الله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}
فالمعنى: إني أشهد الله وأشهدكم، فعدل عن ذلك إلى ما عليه النظم الكريم، من التعبير بصيغة الأمر: {وَاشْهَدُوا} احترازًا عن مساواة شهادتهم بشهادة الله - عز وجل. وفيه أيضًا تعظيم لهود - عليه السلام - وإعلاء لشأنه وتحقير لهؤلاء الكفرة المشركين، حتى يخضعوا ويذعنوا ويستجيبوا لما يأمرهم به.
ومما اتفقت فيه الجملتان في الخبرية معنى قوله تعالى: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} (هود: 54) فجملة {وَاشْهَدُوا} إنشائية لفظًا خبرية معنى؛ إذ المراد: إني أشهد الله وأشهدكم، وبهذا يكون اتفاق الجملتين في الخبرية معنى لا لفظًا، وإنما عُدت مثل هذه الجمل توسطًا بين الكمالين؛ لاتفاقها في الخبرية أو الإنشائية مع وجود المناسبة المسوِّغة للوصل، فليست من قبيل كمال الانقطاع الذي عَرَفته، كما أنها ليست من قبيل كمال الاتصال لعدم وجود الروابط والصلات القوية بينها، والتي عرفناها في صور كمال الاتصال؛ ولذا سَمَى البلاغيون هذا الموضع بالتوسط بين الكمالين.