مدخل البديع في الإعجاز القرآني
نجد أن فنون البديع لا تقل شيئًا في إظهار روعة القرآن وسر فصاحته وبلاغته عن مسائل علمي المعاني والبيان، وأن ألوان البديع يستدل بها على إعجاز القرآن الكريم، كما يستدل على إعجازه بمسائل التقديم والتأخير والحذف والتشبيه والاستعارة، وما إلى ذلك من مسائل العلمَين المعاني والبيان.
ولنأخذ بعض الأمثلة على ذلك؛ ليتضح لنا مدى أهمية البديع في فهم كلام الله - عز وجل - وفي الطباق مثلًا في قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
تجد الآية قابلت بيت: {تُؤْتِي} ، و {تَنْزِعُ} وبين: {تُعِزُّ} ، و {تُذِلُّ} ، وإذا عرفنا أن الغرض من الآية هو تصوير القدرة في أوسع معانيها وبيان السلطان في أشمل مظاهره وأكملها، فإننا ندرك أن هذا الغرض لا يتم إلا بالجمع بين الضدين والحكم بأنه يقدر سبحانه على الأمرين معًا: الإيتاء أو ما في معناه، والنزع أو ما في معناه. وكذلك الإعزاز والإذلال بشتى وجوههما.
ولما كان مقياس الذاتية والعرضية عند المتأخرين من علماء البلاغة وعدم استقامة الأغراض بفقدان الأول واستقامتها بفقدان الثاني، كان جديرًا بنا أن نعرض الطباق على هذا المقياس ونجعله حُكمًا فيه؛ لأنك إذا طبّقت هذا على مثل تلك الآية الكريمة من أساليب، اقتنعتَ أن ذكرى المقابل لا محيص عنه في صياغة مثل هذا الغرض؛ إذ قد يقدر شخص على الإيتاء ولكنه لا يقدر على النزع، ويستطيع إنسان أن يعز ولكنه قد يعجز عن الإذلال، ومع هذا لا تضن عليه بوصفه بالقدرة، ولكن المضنون به عليه هو الحكم له بالقدرة التامة والسلطان الشامل، فتلك هي التي تستحوذ على الأمرين وتتعلق بالضدين، وهذا كافٍ في إثبات التحسين الذاتي لأساليب الطباق، وعلى غراره تجري أساليب المقابلات.
ولعلك عرفت معي كيف جمعت الآية بين أفعال متضادة: {تُؤْتِي} ، و {تَنْزِعُ} ، و {تُعِزُّ} و {تُذِلُّ} ، وبين أسماء متضادة: {اللَّيْلَ} و {النَّهَارِ} ، {الْحَيِّ} و {الْمَيِّتَ} ، إن هذا الجمع يبرز مدى قدرة الخالق - عز وجل - وهيمنته وسلطانه القاهر، فهو الذي يستطيع أن يؤتي من يشاء من عباده الملك وينزعه ممن يشاء، متى شاء وكيف شاء، لا راد لمشيئته، وهو الذي يستطيع إذلال مَن يشاء وإعزاز من شاء، متى أراد وكيف شاء دون اعتبار لمقاييس البشر فيمن يستحق العزة ومن يستحق الإذلال.
ثم تلاحظ معي التدرج في القدرة والغلبة والقهر والهيمنة، فإذا كان في البشر من يستطيع بماله وجاهه وسلطانه أن يعطي ويمنع، وأن يعز ويذل على وجه من الوجوه، فقد جاءت الآية الكريمة بأمور متضادة ينفرد بها المهيمن - عز وجل - وهي إيلاج الليل في النهار، وإيلاج النهار في الليل، وإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي، فضلًا عمن جاء دالًّا على كمال قدرة الله - جل وعلا - فمن ذا الذي يستطيع القدرة على كل ذلك؟! إنها أمور ينفرد بها القادر - سبحانه وتعالى -.
ولعله بهذا قد اتضح لك أن الطباق ليس قاصرًا على الزينة والزخرف، وليس الهدف منه مجرد التزويق الشكلي، بل إنه ليتجاوز ذلك إلى أهداف أسمى وغايات لا تتناهى.