وتأمل قول الله تعالى: {أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ}
تجد أنه قد حذف المسند وتقديره: أفمن هو قائم كمَن ليس كذلك، والقائم على كل نفس هو الله - جل وعلا - فهو متولي أمر كل نفس وحافظ شأنها. ومن ليس كذلك هو المعبود بالباطل من دون الله - عز وجل -. والحذف هنا يشعر بتعظيم الله - تبارك وتعالى - وتحقير وازدراء تلك المعبودات، وينبئ بأنه لا وجه للمقارنة بين الخالق القادر القائم على كل نفس وبين تلك المعبودات.
فينبغي عدم الجمع بينهما ولو في اللفظ. وكذا القول في الآيات الكريمة: {أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ} (الزمر: 22) والتقدير: كمن قَسَا قلبه، وكان صدره ضيقًا حرجًا. ومثله: قوله تعالى: {أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (الزمر: 24) أي: كمن ينعم في الجنة. وقوله: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} (فاطر: 8) أي: كمن لم يزين له، أو كمن هداه الله، فالحذف في الآيات يشعر بأنه لا وجه للمقارنة بين الاثنين، فهذا قد شرح الله صدره للإسلام، وذاك قد أمسى قلبه وأضحى صدره ضيقًا حرجًا، وهذا يتقي بوجهه سوء العذاب. هذا يتقي بوجهه سوء العذاب، وذاك ينعم في الجنة، هذا قد زين له عمله السيئ فرآه حسنًا، وذاك قد هداه الله للخير والعمل الصالح.
فحذف المسند كما ترى ينبئ بالتباعد بين الفريقين، ويوحي بالمسافات المتناهية بينهما، ويجعل الذهن يتشبع ويمتلئ بصورة المسند إليه فتقر في القلب، وترسخ في العقل.
ولا يخفى عليك أن الحذف في الآيتين الأخيرتين قد أفاد تعظيم المسند المحذوف ورفعة شأنه، كما أفاد تحقير المسند إليه المذكور وانحطاطه، وذلك عكس ما أبصرت في الآيتين السابقتين، إذا أفاد الحذف فيهما تعظيم المسند إليه المذكور وعلو منزلته، وتحقير المسند المحذوف وانحطاطه، وازدياد وازدراء النفوس له.