فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 536

{لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ...(286)}

وتأمل فرق ما بين اللام وعلى في الآيات الكريمة: {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} ، {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} (االأنبياء: 101) ، {وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ} (الصافات: 171) ، {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} (هود: 40) . تجد أن اللام قد ذكرت عند سبق النفع، و {عَلَى} قد ذكرت عند سبق الضر؛ وذلك لأنك تلحظ في اللام معنى التملك والانتفاع، وتلحظ في: {عَلَى} معنى القهر والاستعلاء؛ ولذا يقول القائل:

على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخلص منه لا علي ولا لي

وتأمل فرق ما بين"على"و"في"في الآيات الكريمة: {أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (لقمان: 5) ، {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} (سبأ: 24) ، {الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا} (الكهف: 101) . تجد أن"على"تحمل معنى العزة والارتفاع، و"في"تحمل معنى الذل والانحطاط، وكأن المؤمن مستعلٍ على جواد يركضه حيث شاء، والكافر منغمسٌ في ظلام مرتبك فيه لا يرى ولا يعرف أين يتوجه، وقد تجد في"في"معنى العزة والرفعة؛ وذلك عندما يكون الانغماس في النعيم والعز والغرفات والمقام الأمين: {إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ} (سبأ: 37) ، {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} (الدخان: 51، 52) . ففرق بين انغماس في جنات وعيون ومقام أمين، وغرفات ورحمة، وبين انغماس في ضلال أو غطاء عن ذكر الله أو عذاب مهين.

وتأمل بذلك ما جاء في قوله: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (آل عمران: 107) ، {الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} (سبأ: 38) .

إلى غير ذلك من المعاني الدقيقة التي تراها كامنة وراء استخدام حروف الجر في القرآن والتراكيب الجيدة، وشأن الجار والمجرور شأن سائر المتعلقات، هي لا تذكر إلا إذا اقتضاها المقام ودعا إليها داع، انظر إلى ذكر المفعول المطلق، وإفادته للتأكيد في قول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} (الفرقان: 21) ، وقوله - عز وجل: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} (الفرقان: 36) ، وقوله: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا * وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} (الفرقان: 38، 39) .

فتقييد الفعل بالمفعول المطلق في الآيات الكريمة: {عَتَوْا عُتُوًّا} ، {دَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا} ، {تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا} قد أدى إلى المبالغة وتوكيد وقوع هذه الأفعال. والمقام قد اقتضى ذلك، فهؤلاء لا يرجون لقاء الله ويطلبون إنزال الملائكة عليهم ويطلبون رؤية ربهم، وهذا عتو ما بعده عتو، وأولئك كذبوا واستكبروا، منهم من قال: أنا ربكم الأعلى، ومنهم من قال: من أشد منا قوة، منهم مَن عقر الناقة وعتى عن أمر ربه، فاستحقوا لهذا أن يضاعف لهم العذاب، وأن يؤخذوا أخذ عزيز مقتدر.

وتأمل ذكر الحال في قول الله تعالى: {فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا} (النمل: 19) . وكيف أبرزت الفعل وبينت كيفية وقوعه من سليمان - عليه السلام - فهو تبسم واضح قد قوي حتى وصل إلى حد الشروع في الضحك، وانظر إلى الحال أيضًا في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (الأحزاب: 45) . وكيف أفصحت عن مهمة النبي - صلى الله عليه وسلم - وبينت الهدف والغاية من إرسال الرسل.

وتأمل ذكر الحال في قول الشاعر:

دنوت تواضعًا وعلوت مجدًا ... فشاناك انخفاض وارتفاع

وكيف أبرزت ما يقصده الشاعر، وبينت المراد من الدنو، ثم انظر كيف يكون المعنى لو لم تذكر هذه الحال، فقيل: دنوت وعلوت وعلوت فشاناك انخفاض وارتفاع، إن المعنى يكون ملبسًا ومشكلًا.

بهذا يتبين لك أن تلك القيود لا تذكر إلا لمعنى يقتضيه المقام ويدعو إليه الداعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت