ومثال ما فيه تعريض بتعظيم شأن غير الخبر قوله تعالى: {الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ} ففي التعبير عن المسند إليه باسم الموصول إشارة إلى نوع الخبر، وأنه من جنس الخسران، وذلك أن شعيبًا نبي تكذيبه يؤدي إلى الخيبة والخسران، لكن هذا الإيماء إلى نوع الخبر ليس مقصودًا لذاته، بل هو وسيلة إلى التعريض بتعظيم شأن غيره، وهو شعيب - عليه السلام - لأن تكذيبه هو سبب خسرانه، ولفظ شعيب واقع في سياق الصلة لا في سياق الخبر، ف التعريض إذن لتعظيم شأن غير الخبر.
ومثال ما فيه تعريض بتحقير غير الخبر قولهم: إن الذي يتبع الشيطان خاسر، ففي الصلة إيماء إلى أن الخبر من نوع الخسران والبَوار؛ لأن الشيطان ضال مضل فاتباعه ضرب من الخسران والضلال والهلاك، غير أن الغرض التعريض بتحقير شأن الشيطان من حيث إن اتباعه يؤدي إلى هذا المصير البغيض، ولفظ الشيطان وقع كذلك في جملة الصلة لا في جملة الخبر، والتعريض حينئذٍ بالتهوين والتحقير من شأن غير الخبر.
والذي يتأمل كلام السكاكي قد نقله عنه القزويني يرى أن الإيماء إلى نوع الخبر الذي هو أحد أغراض تعريف المسند إليه بالموصولية قد يكون ذريعةً ووسيلةً إلى تحقيقه وتقريره، وذلك إنما يكون حيث تكون الصلة كالسبب للخبر أو كالدليل على ثبوته كما في قول الشاعر يشكو ويتوجع من جفاء حبيبه:
إن التي ضربت بيتًا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
غالت يعني: أكلت، يقول: إن التي نزعت إلى الكوفة واتخذت بها موطن إقامة دائمة، وانحلت عُرى العلاقة بيني وبينها، ففي الموصول إيماء إلى وجه بناء الخبر، وأنه من نوع زوال المحبة وانقطاع المودة والجفاء من جانبها هي، كما يدل على ذلك قوله بعد هذا البيت معزيًا ومسليًا نفسه؛ حتى يهون عليها تشبثه بحبها، حيث قال:
فعدِّ عنها ولا تشغلك عن عمل ... إن الصبابة بعد الشيب تضليلٌ
لأنها هي التي هجرت الوطن، والإنسان لا يهجر وطنه إلى غيره عادة إلا إذا كان كارهًا لأهله راغبًا عنهم، ومع ما في الموصول من هذه الإشارة إلى نوع الخبر هو كالدليل على تحقيق هذا الجفاء وتقريره، فالإيماء هنا وسيلة إلى تحقيق الخبر عند السكاكي.
من هنا ندرك أن هناك فرقًا واضحًا بين الإيماء إلى وجه بناء الخبر وتحقيق الخبر؛ فالإيماء إشعار بالخبر ودلالة عليه، أما تحقيق الخبر فمعناه ثبوته وتقريرُه في الواقع، فهذا غير ذاك، وقد يجتمعان كما في البيت: إن التي ضربت بيتًا مهاجرة، وقد ينفرد الإيماء كما في بيت الفرزدق: إن الذي سمك السماء بنى لنا،؛ لأن الإيماء إلى الخبر أعم من تحقيقه وإفادة الجزم به.