ونقل أبو حيان في قول الله تعالى: {وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ} (فاطر: 21) أنه لا يقال في القرآن: قَدَّم كذا أو أخَّر كذا للسجع؛ لأن الإعجاز ليس في مجرد اللفظ، بل فيه وفي المعنى، ومتى حُوِّل اللفظ لأجل السجع عما كان لا يتم به المعنى بدون سجع، نُقِضَ المعنى وقيل عليه: أنه نسي ما قاله في"الصافات"، من أن التعبير بمارد ومريد للفاصلة، ثم إنه قال: لو كان في القرآن سجع لم يخرج عن أساليب كلامهم، ولم يقع به إعجاز، ولو جاز أن يقال: سجع معجز جاز أن يقال: شعر معجز، والسجع مما تألفه الكهان، وقد أنكر النبي - صلى الله عليه وسلم - على مَن سجع عنده على ما عُرِفَ في كتب الحديث، ولو كان سجعًا كان قبيحًا؛ لتقارب أوزانه، واختلاف طرقه، فيخرج عن نهجه المعروف، ويكون كشعر غير موزون، وما احتجوا به من التقديم والتأخير ليس بشيء، فإنه لذكر القصة بطرق مختلفة.
أقول - أي: الشهاب: أطال بلا طائل؛ لتوهمه أن السجع كالشعر، لالتزام تقفيته ينافي جزالةَ المعنى وبلاغته، لاستتباعه للحشو المخل، وأن الإعجاز بمخالفته لأساليب الكلام، فشنَّع على هؤلاء الأعلام وليس بشيء، والعجب منه أنه ذكر كلام الباقلاني مع التصريح فيه بأنه من السلف مَن ذهب إليه، والحق أنه في القرآن من غير التزام له في الأكثر، وكأن مَن نفاه نفَى التزامه أو أكثريته، ومَن أثبته أراد وروده فيه بالجملة، فاحفظه، ولا تلتفت لما سواه، وهذا ينفعك، والذي عليه العلماء أنه تُطلق الفواصلُ عليه دون السجع". انتهى من كلام الشهاب."
المرجح إذًا من ذلك والأولى كما قال العلماء أن نقول عما جاء في القرآن على هيئة السجع فواصل؛ تأدبًا مع كلام ربنا - سبحانه وتعالى - ولنا في إمام مدرسة المتأخرين الإمام السكاكي القدوة، حيث عدل في كتابه (المِفتاح) عن المصطلحات البلاغية التي رسخت في أذهان السابقين، مثل"المغالطة"عند الشيخ عبد القاهر، فإن السكاكي سماها"أسلوب الحكيم"؛ لأنه ورد في الذكر الحكيم، وكذا"تجاهل عارف"سماه السكاكي"سَوْق المعلوم مساقَ غيره"؛ لوجوده في كلام العليم الخبير. والفاصلة أولى من السجع؛ لورودها في القرآن كثيرًا: {كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ} (فصلت: 3) {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} (هود: 1) . والحق أن إيثار التعبير بالفواصل القرآنية فيه خروج من هذا الخلاف الشكلي حول إطلاق السجع على الفاصلة القرآنية، وقد رأيتَ ما يحدثه تلازمُ الفواصل من إثارة الشعور، ودفع الملل، وجذب المخاطبين، وبخاصة في هذه البيئة الشاعرة التي نزل فيها القرآن الكريم.
يساعد على هذا أن الفاصلة أعم من السجع، حيث إنها تطلق على أواخر الآي، سواء اتفقت الأحرف أم اختلفت، على سبيل المثال قول الله تعالى: {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ} (قريش: 1 - 4) تجد أن لذة التلاوة وحلاوتها كامنة في الكلمات: {قُرَيْشٍ} ، {وَالصَّيْفِ} و {الْبَيْتِ} ، و {خَوْفٍ} فإن هذه الكلمات الأربع تنتهي بأحرف مختلفة، ولكنها من فصيلة واحدة وهي حروف الهمس، وكل كلمة قبل آخرها حرف مد ولين، وهذا الحرف يمد حركتين أو أربعًا أو سِتًا ويسمى مدًّا عارضًا للسكون. وهذا التنغيم الصوتي يؤدي إلى جمال الأداء مع جمال اللفظ مع جمال المعنى مع جمال الهدف، كل هذا يؤدي إلى دخول القرآن القلبَ لعوامل شتى، منها الأداء اللفظي مع الفاصلة القرآنية التي تأتي، والمعنى في قرن واحد.
ولذلك تسمع وترى مَن أسلم بسبب سماعه للقرآن الكريم، وخير مثال لذلك ما حدث لعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لما سمع سورة"طه"أو"الحاقة"في إحدى روايتي إسلامه. من أجل هذا يحاول الكفرة قديمًا وحديثًا صَرْفَ الناس عن مجرد سماع القرآن، أخبر الله عنهم حيث قال - جل وعلا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (فصلت: 26) ولذا لا يُمل سماعُ القرآن بسبب ما فيه من فواصل وخلافها، حتى قال فيه أفصحُ العربِ - صلى الله عليه وسلم: (( لا يخلق عن كثرة الرد ) ). ونحن المسلمين نقرأ القرآن منذ نعومة أظافرنا ولا نمله إن شاء الله ما بقينا، حتى إنك تقف مندهشًا من حفظ الأطفال الصغار جدًّا جزء عم لما فيه من الفواصل البليغة، في حين أنهم لا يستطيعون حفظ قصيدة لامرئ القيس، أو حتى لحسان بن ثابت - رضي الله عنه - وما هذا إلا أنه بُنِيَ على فواصلَ بليغة حكيمة، كل فاصلة في مكانها، وحُق لنا أن نعتز بهذا الكتاب، وحقًّا صدق الله إذ يقول: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} (الحجر: 9) .
والسجع كغيره من ألوان البلاغة إنما يُستحسن ويُستجاد إذا صدر عن طبع، وجاء عفوًا، وقاد إليه المعنى، أما إذا تُكلف وتُصنِّع، وصار هو الذي يقود إلى المعنى، فإنه يستقبح ويُعاب، ويرد على قائله. يقول الإمام عبد القاهر:"ولن تجد أيمنَ طائرًا، ولا أحسنَ أولًا وآخرًا، وأهدى إلى الإحسان وأجلبَ إلى الاستحسان، من أن ترسل المعاني على سجيتها، وتدعها تطلب لأنفسها الألفاظ، فإنها إذا تُركتْ وما تريد لم تكتسِ إلا ما يليق بها، ولم تَلْبَسْ من المعارض إلا ما يَزينها، أما أن تضع في نفسك أنك لا بد من أن تجنس أو تَسْجَع بلفظين مخصوصين، فهو الذي أنت منه بعَرَض الاستكراه، وعلى خطر من الخطأ والوقوع في الذم".