فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 536

{وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(32)}

وقد لفت القرآن إلى هذه القدرة في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} حيث جعل جري السفن الضخام على صفحة الماء من دلائل القدرة، والجري في البحر صفة كني بها عن موصوف هو السفن، وفي موضع آخر ذكر القرآن تهيئة أسباب الجري على صفحة الماء هي من خلقه تعالى وصنعته وحده، حيث قال: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ} (الرحمن: 24) ففي قوله: {وَلَهُ} مِلكية الخلق والصنعة، كما صرح بذلك قوله - عز شأنه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (لقمان: 31) .

وفي الآيتين من سورة الشورى والرحمن كنَّى بصفة الجري عن السفينة؛ إيماءً إلى أن ضخامتها لم تحل دون جريها، وفي الآية من سورة القمر إيماء إلى أن مكوناتها رغم غوصها منفردة في الماء طفت على سطحه، فحمت نوحًا - عليه السلام - ومن معه من الغرق.

ومن الكناية عن الموصوف أيضًا: قول المتنبي يسترضي سيف الدولة على بني كلاب وقد أوقع بهم هزيمة منكرة رد بها تمردهم عليه:

ومن في كفه منهم قناة ... كمن في كفه منهم خضاب

فقد كنى عن المرأة بصفة هي كون الخضاب في يدها، وعن الرجل بصفة هي كون القناة في يده، هو يريد بهذه الصفة المكنى بها عن الموصوف بلوغهم في الضعف غاية لا غاية بعدها، حيث صار الرجل منهم كالمرأة في العجز عن مواجهة الحروب، مما يجعلهم أهلًا للصفح والعفو، وقد كان المتنبي شاعرًا قديرًا في تسخير الكناية عن الموصوف لما يرمي إليه، وكذا في التعبير عما يعتمل في نفسه ويضطرب في حناياه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت