فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 536

{إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ(5)}

تقديم المفعول على العامل

وإذا ما انتقلنا للحديث عن تقديم المفعول ونحوه من المتعلقات على العامل؛ لوجدنا أن تقديم المفعول ونحوه من المعمولات: كالجار والمجرور، والظرف، والمصدر، والحال، على العامل يفيد غالبًا الاختصاص، أي: قصر العامل المؤخر على معموله المقدم. تقول: زيدًا أكرمتُ، وبمحمد مررت، وضاحكًا جاء زيد، وإشفاقًا أعطيت، فتفيد بذلك قصر الإكرام على زيد والمرور على كونه بمحمد، وقصر مجيء زيد على هيئة الضحك، وإعطائك على كونه من أجل الإشفاق.

ومن ذلك: قول الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (الفاتحة: 5) . أي: نخصك بالعبادة فلا نعبد غيرك. ونخصك بالاستعانة فلا نستعين إلا بك.

فتقديم المفعول: {إِيَّاكَ} في الموضعين قد أفاد القصر، أي: قصر العبادة والاستعانة عليه تعالى، وكذا القول في الآيات الكريمة: {وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} (آل عمران: 158) ، {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} (التوبة: 129) ، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة: 172) .

فتقديم المعمولات: {إِلَى اللَّهِ} ، و {عَلَيْهِ} ، و {إِيَّاهُ} ، في الآيات الكريمة السابقة قد أفاد الاختصاص.

ومن ذلك أيضًا قول شوقي:

بالعلم والمال يبني الناس ملكهم ... لم يبن ملك على جهل وإقلال

فتقديم الجار والمجرور بالعلم أفاد قصر بناء المُلك على كونه بالعلم والمال.

ومثل ذلك قول الآخر:

إذا شئت يومًا أن تسود عشيرة ... فبالحلم سُدْ لا بالتسرع والشتم

وقول غيره:

على الأخلاق خطوا الملك وابنوا ... فليس وراءها للعز رُكن

فقد قصر السيادة في البيت الأول على الحلم، بحيث لا تتعداه إلى التسرع والشتم، وقصر بناء الممالك وخطها في البيت الثاني على الأخلاق فليس وراءها للعز ركن. والعامل المقدر في كل ما ذكرنا كالمذكور. وقولك: زيدًا عرفتُه، إن قدرت المفسر بعد المنصوب أي: زيدًا عرفته: أفاد الاختصاص. وإن قدر قبله أي: عرفت زيدًا عرفته، أفاد: التوكيد وتقوية الحكم.

وقوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} قصرتَ صفة العبادة وكذلك صفة الاستعانة على الله قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت