فالنار لا تؤكل، وإنما المراد يأكلون مالًا حرامًا تتسبب عنه النار التي تكوى بها جنوبهم وظهورهم وجلودهم، فذكر المسبب وهو النار في موضع السبب وهو المال الحرام مال اليتامى، وتكمن بلاغة المجاز في الآية الكريمة في إبراز هذه السببية، وفي إظهار فظاعة وبشاعة تلك الصورة، صورة من يأكلون أموال اليتامى، فهم يأكلون نارًا تقذف في أفواههم فتندلع في بطونهم فيكون الألم والعذاب.
من ذلك قولهم: كما تدين تدان، أي كما تفعل تجازى، فالمجاز في كلمة تدين حيث عبر عن الفعل بالدين، والدين هو المجازاة والمكافأة وهو مسبب عن الفعل، فهو مجاز مرسل علاقته المسببية إذ أطلق لفظ المسبب وهو المجازاة، وأريد السبب وهو العمل والفعل، أما كلمة تدان فهي على الحقيقة؛ لأن المراد بها المجازاة والمكافأة.
ومما يذكره البلاغيون في هذه العلاقة - علاقة المسببية - قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} (النساء: 10) والذين يأكلون أموال اليتامى لا يأكلون نارًا على الحقيقة، وإنما يأكلون أموال اليتامى، ولما كان ذلك مؤديًا إلى النار حتمًا وسببًا في عذابها قطعًا عبر عنه به. وفيه مع إبراز هذه السببية وتقويتها تفظيع وتنفير تراه في هذه الصورة: {يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا} فالقوم يقذفون النار في أفواههم، فتندلع في بطونهم، ولو قال سبحانه: إنما يأكلون حرامًا، لكان شيئًا آخرَ، مع أن المآل إليه، كما أنه لو قال: إنما يأكلون نارًا، لذهب من الصورة جزء كبير فيه فظاعة وشناعة؛ لأن كلمة البطون مع أنها مفهومة ضرورة من كلمة الأكل، إلا أن في النص عليها مزيد تشخيص وتوضيح. وتجد في كلمة: {إِنَّمَا} ذات الدلالة المعروفة همسًا خافتًا، يقول: إن هذه قضية مسلَّمة وبديهة ظاهرة، لا ينبغي أن يحتفل في عرضها، ولا أن تؤكد في سياقها.
بمثل هذا يكون التدبر، وتجنَى الفائدة والثمرة من وراء مدارسة فنون البلاغة.