فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 536

{يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)}

فرعون يطلب من وزيره هامان ذلك، وهامان لا يبني بنفسه وإنما يأمر العمال بالبناء فأسند إليه الفعل ابني؛ لأنه سبب فيه، فهذا من المجاز العقلي في الأساليب الإنشائية، حيث أسند فعل الأمر إلى غير ما حقه أن يسند إليه، وعلى ذلك يمكن القول: بأن جميع الملابسات التي عرفناها في الإسناد الخبري ترِد أيضًا في الإسناد الإنشائي أمرًا ونهيًا واستفهامًا وتمنيًا، فالمجاز العقلي يجيء في الإنشاء كما يجيء تمامًا في الخبر؛ لأنه حالة من أحوال الإسناد في الكلام، والكلام إما خبر وإما إنشاء كما هو معلوم.

وهنا سؤال يفرض نفسه: هل لكل مجاز عقلي حقيقة؟

نقول: إنه باستقصاء أمثلة المجاز العقلي وشواهده نجد أن الكثير منها يمكن الرجوع به إلى أسلوب الحقيقة، وذلك بإسناد الفعل إلى فاعله الحقيقة، فيعود الفاعل المجازي إلى مكانه الأصلي قبل التجوز سببًا للفعل أو زمانًا أو مكانًا أو مصدرًا، إلى غير ذلك من الملابسات الذي تحدثنا عنه، وفي قولك: صام نهار العابد، وقام ليله، وجرى النهر، وسار الطريق، وربح تجارته، تقول: صام العابد نهاره وقام ليله، وجرى الماء في النهر، وسار الناس في الطريق، وربح التاجر في تجارته، وهذا أمر ميسور. غير أن الكلام يفقد روعته ومزيته التي اكتسبها في الإسناد المجازي. ثم إن هناك تراكيبَ مجازية يصعب على المتكلم أن يعود بها إلى أصلها في الحقيقة، إذ لم يجر العرف بإسناد الفعل فيها إلى الفاعل الحقيقة، وقد فطن الإمام عبد القاهر إلى ذلك، فذهب إلى أنه لا يجب أن يكون لكل فعل في المجاز العقلي فاعل في التقدير إذا أسند الفعل إليه صار حقيقة.

يقول الإمام عبد القاهر في (الدلائل) : واعلم أنه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه عدت به إلى الحقيقة، مثل أنك تقول في: {رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} : ربحوا في تجارتهم، وفي يحمي نساءنا ضرب: نحمي نساءنا بضرب، فإن ذلك لا يتأتى في كل شيء، ألا ترى أنه لا يمكن أن تثبت للفعل في نحو: أقدمني بلدك حق لي على إنسان، فاعلًا سوى الحق؟ كذلك لا تستطيع في قوله:

وصيرني هواك وبي ... يحين يضرب المثل

الحين والهلاك استعير لما وصل إليه من سوء الحال فيها. وكذا قول أبي نواس:

يزيدك وجهه حسنًا ... إذا ما زدته ن ظرًا

أن تزعم أن لصيرني فاعلًا قد نقل عنه الفعل ف جعل للهوى كما فعل ذلك في: {رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ} ويحمي نساءنا ضرب، ولا تستطيع كذلك أن تقدر ليزيد في قوله: يزيدك وجهه حسنًا فاعلًا، غيرَ الوجه.

انتهى من كلام عبد القاهر.

وقد توهم بعض العلماء أن عبد القاهر ينكر أن يكون لكل فعل فاعل حقيقي إذا أسند إليه صار الإسناد حقيقيًّا، وهذا التوهم بعيد عن مراد عبد القاهر، كما يتضح من النص المذكور، فهو يرى أن بعض أساليب المجاز يمكن الرجوع بها إلى الحقيقة بسهولة ويسر، وبعضها الآخر لا نستطيع أن نفعل فيه ذلك، وهو فيما ذهب إليه يحتكم إلى العرف وإلى واقع الأساليب بذوقه الرفيع وحِسه المرهف، فهذه الأمثلة لم يرِد لها فاعل حقيقي في الإسناد العرفي، ولم تجرِ على ألسنة القوم بأسلوب الحقيقة، بل شاع استعمالها هكذا على الإسناد المجازي، وعمدته في ذلك استقراءُ النصوص.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت