{وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) }
وقد يكون المحذوف من الكلام البليغ أكثر من جملة: كما في قول الله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ} (يوسف: 45، 46)
والتقدير: فأرسلوني إلى يوسف لأستعبره الرؤيا، فأرسلوه إليه، فأتاه وقال له: يوسف أيها الصديق أفتنا، ومثله قول الله تعالى: {فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا} (الفرقان: 36) ، والتقدير: فآتيناهم فأبلغاهم الرسالة فكذبوهما فدمرناهم، ويكثر هذا الحذف في النظم القرآني ولا سيما في ميدان القصص؛ حيث يُستغنى عن التفصيلات الجزئية التي تُعرف من السياق وتفهم من قرائن الأحوال، ففي تخطيها وصول إلى العناصر الجوهرية في القصة وإبرازها جلية واضحة، وفي تخطيها أيضًا حثٌّ للمخاطب وتحريك لمشاعره وإثارة لذهنه؛ إذ يفهم تلك المشاهد المطوية ويقف عليها من خلال تأمله وتدبره أحداث القصة ووقوفه على سياقها وقرائن أحوالها.
وهكذا يطال الحذف الكلمة والجملة غير التامة والجملة التامة، لكن لابد في حذف أيٍّ من قرينة تدل على المحذوف وترشد إليه وتعينه، وإلا كان الحذف عبثًا وضربًا من الهذيان؛ إذ يؤدي عندئذ إلى اللبس والإشكال وعدم فهم المراد، كما في قول الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (الطلاق: 4) ، فقد حذف خبر {وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} لدلالة خبر {وَاللَّائِي يَئِسْنَ} عليه وتعيينه له، والتقدير: واللائي لم يحضن، فعدتهن ثلاثة أشهر كذلك.
ومن ذلك قول الله تعالى: {وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} (فاطر: 4) ؛ حيث حذف جواب الشرط وتقديره: وإن يكذبون فاصبر، ودلت عليه القرينة اللفظية وهي {فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ} ، فهذه الجملة ليست هي جواب الشرط وإنما هي علة لجواب الشرط المحذوف، وفيها تسلية لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - كي لا يحزن لإعراضهم وتكذيبهم. ومن ذلك قوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} (الحديد: 10) فقد دل المذكور من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا، على المحذوف، والتقدير: لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعده وقاتل.