فهرس الكتاب

الصفحة 370 من 536

{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ...(28)}

ومن التعريض بأسلوب الكناية قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} فالمعنى الصريح لهذا النص القرآني قَصْر خشية الله على العلماء، ومن لوازم هذا المعنى نفي الخشية عن كل جاهلٍ مبالغةً، وسوق هذا النص في مواجهة من يقدموا على معصية الله تعريض بجهله وعدم معرفته بجلال الله وعظمة سلطانه؛ إذ إن مدار الخشية معرفة المخشي والعلم بشئونه.

ومن روائع التعريض بالمعنى الكنائي أن يسوق المتكلم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( المسلم مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده ) )

في مواجهة من لا يتورع عن إيذاء المسلمين بأنواع الأذى على اختلافها، والمعنى الصريح لهذا الحديث الشريف حَصْر الإسلام في غير المؤذي، وهذا يستلزم نفي الإسلام مبالغةً عن كل مؤذ وهو المعنى الكنائي، ولكن المعنى الصريح وما هو لازم له ليس في مرمى المتكلم، وإنما المرمى الذي يوجه نظره هو وصم هذا المؤذي بنقيصة نفي الإسلام عنه.

(فائدة)

أما القصر الحقيقي الادعائي فهو أن يختص المقصور بالمقصور عليه بحيث لا يتعداه إلى غيره ادعاء ومبالغة، فالمقصور يختص بالمقصور عليه وينفي عن كل ما عداه مما هو بسبيل منه نفيًا يقوم على المبالغة والتجوّز، ولا يقوم على المطابقة الحقيقية للواقع كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 28) ، فقد قُصرت خشية الله على العلماء، ونُفيت عن كل من عداهم، ولا يعني هذا أن غير العالم لا يخشى الله تعالى، بل قد يكون غير العالم أشد خشية لله من العالم، ولكن سياق الآيات في التنويه بشأن العلماء وتعظيم منزلتهم والحث على النظر والتأمل.

واقرأ معي في ذلك الآية من أولها، يقول فيها جل وعلا: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (فاطر: 27، 28) ، ولذا كانت خشية الله مقصورة على العلماء دون غيرهم؛ لأن خشية غيرهم لا يُعتد بها في هذا المقام، وليست هي بمنزلة خشية العلماء، ومن هذا قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي} (المائدة: 25) فقد أثبت موسى - عليه السلام - ملكيته لنفسه ولأخيه، ونفاها عن كل ما عداهما، والمراد لا أملك في سبيل الله والدفاع عن كلمة الحق إلا نفسي وأخي، والسياق يرشد إلى أنه كان هناك رجلان يخافان الله، قد أنعم الله عليهما بالإيمان، ولكن موسى لم يعتد بإيمانهما؛ نظرًا لتقلب قومه وتغير أحوالهم؛ ولذا قال: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة: 25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت