فقد عبر عز وجل عن المعرفة والعلم بالاختبار الذي هو سبب المعرفة على طريق المجاز المرسل؛ لأن علم الله عز وجل أزلي فهو عليم بكل شيء، ولا يحتاج في علمه إلى ابتلاء، وعليه فيكون المعنى: ونختبركم حتى نظهر حقيقتكم ونكشفها فيصبح علم الله متعلقًا بالمعلوم الواقع، إذن فهو أطلق
الابتلاء وأراد انكشاف حقيقتهم المسببة عن هذا الابتلاء. من ذلك أيضا قول المتنبي:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم
فقد أراد أن يعبر عن شهرة أدبه وذيوع شعره، وبلوغه مبلغا جعل من له علم بالأدب ينظر إليه ويعلمه، ومن لم يسمع شعرًا يسمع كلماته ويدركها، وقد عبر الشاعر بالأعمى والأصم، وأراد من لا معرفة له بالأدب ولا علم عنده بجيده، والعلاقة كما هو معلوم بين المعنيين السببية فإن السمع والبصر من أسباب العلم بالأشياء، وعلى العكس فالعمى والصمم من أسباب الجهل بها والقرينة هي قوله: نظر، وأسمعت كلماتي، فإنه يستحيل أن يسمع الأصم أو يبصر الأعمى شيئا.
إذن فهو أطلق السبب في الإدراك، وهو السمع والبصر وأراد المسبب عنهما وهو ذيوع أدبه وشعره.
(فائدة)
تأمل قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} (محمد: 31) قد أراد سبحانه: ونعرف أخباركم، ولكنه عبر بالابتلاء الذي هو سبب المعرفة؛ لأن الابتلاء يتبعه موقف جديد، إما زيادة تأصيل الإيمان بالله والتمسك الشديد بمبادئ الدين الحنيف، أو الخذلان والتحلل وانهيار الإيمان وضياع العقيدة.
وبعد ظهور هذا الموقف وانكشاف حقيقة المبتلى يصبح علم الله متعلقًا بالمعلوم الواقع، والمولى - عز وجل - عليم بكل شيء ولا يحتاج في علمه إلى ابتلاء.