وتأمل قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ}
فالصحابة - رضوان الله عليهم - لشدة تعلقهم وحبهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - أُنزلوا منزلة من يعتقد أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - يجمع بين صفتي الرسالة والخلد، فجاء أسلوب القصر مفيدًا أنه - عليه الصلاة والسلام - مقصور على صفة الرسالة، فهو رسول يخلو كما خلت الرسل من قبله، لا يتجاوز صفة الرسالة إلى التخليد في الدنيا.
وتأمل قوله تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} (آل عمران: 144) وقوله عز وجل: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} فالعبارة واحدة والبناء هو البناء، وعلى الرغم من ذلك نقول: إن القصر في الآية الأولى قصر إفراد، وفي الثانية قصر قلب، والذي جعلنا نقول هذا القول الوقوف على أحوال المخاطبين من خلال تأمل سياق الآيتين.
اقرأ سياق الآية الأولى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ * وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (آل عمران: 142 - 144) ، فهو ينبئك بمدى حب الصحابة - رضي الله عنهم - للرسول - عليه الصلاة والسلام - وتغلغل هذا الحب في نفوسهم إلى درجة أنهم قد غفلوا عن أمر موته ولم يخطروه ببالهم، وها هو ذا عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - يقول:"فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها عليهم أبو بكر، فتلاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها".
وهذا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول:"والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعرفت حتى ما تقلني رجلاي،، وحتى هوِيت إلى الأرض"، فلشدة حب الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتعلقهم به نُزلوا منزلة من يستبعد موته، وكأنهم يعتقدون أنه يجمع بين الرسالة والتبري من الهلاك؛ ولذا كان القصر قصر إفراد، ثم اقرأ سياق الآية الثانية {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المائدة: 73 - 75) فستقف منه على حال هؤلاء، فهم اعتقدوا أن عيسى - عليه السلام - إله وأن الله ثالث ثلاثة؛ ولذا كان القصر هنا قصر قلب؛ حيث قلبَ اعتقادهم وأفاد أن المسيح مقصور على كونه رسولًا يخلو كما خلت الرسل من قبله، لا يتجاوز ذلك إلى مرتبة الألوهية التي اعتقدوها.
ويتكون حال المخاطب لدى المتكلم وترسم في ذهني من خلال خبرته ومعرفته بشئون مخاطبه؛ فعند التأمل تجد أن حال المخاطب تؤول إلى المتكلم وما قد علمه ووعاه عن مخاطبه، وفي كثير من الشواهد لا تستطيع أن تحدد مخاطبًا أو تعين حالًا له، بل تجد القصر منظورًا فيه إلى حال المتكلم وما يحكيه عن نفسه، فهذا مظهر جديد من مظاهر القصر وصورة أخرى من صوره، تأمل مثلًا قول الشاعر:
وكنت امرأً ألقى الزمان مسالمًا ... فآليت لا ألقاه إلا محاربًا
تجد القصر فيه قصر قلب، فالشاعر قد تغير وتبدل، وانقلب من امرئ يلقى الزمان مسالمًا إلى امرئ لا يلقاه إلا محاربًا، وأنت إن ذهبت تفتش عن حالٍ هنا لا تجد إلا حال المتكلم وحديثه عن نفسه.