فهرس الكتاب

الصفحة 146 من 536

{حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ(29)}

القسم الثاني من أقسام التورية: وهي التورية المرشحة؛ وهي التي قُرنت بما يلائم المعنى القريب غير المراد المورَّى به، وإنما سميت مرشحةً؛ لتقويتها بذكر لازم المعنى القريب غير المراد، فإنها تزداد بذكره إبهامًا، والملائم للمعنى القريب قد يكون قبل لفظ التورية وقد يكون بعده، فهما إذًا صورتان:

الصورة الأولى: أن يقع الترشيح سابقًا للفظ الحامل للتورية، وذلك كقول الله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ}

فالتورية في لفظ: {يَدٍ} فهو لفظ له معنيان: قريب واضح وهو الجارحة المعروفة، وبعيد خفي وهو الذِّلة والاستكانة، والمراد هو المعنى البعيد. وقد قرنت التورية بما يلائم المعنى القريب المورى به وهو قوله: {يُعْطُوا} لأن الإعطاءَ عادةً يقع باليد فهي إذًا مرشحة، وقد وقع الترشيح وهو الإعطاء قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة قول السراج الوارق:

يا خجلتي وصحائفي سود بدت ... وصحائف الأبرار في إشراق

ومؤنب لي في القيامة قال لي ... أكذا تكون صحائف الوراق

فالتورية في لفظ"الوراق"فهو لفظ حامل لمعنيين؛ أحدهما: قريب واضح وهو الذي يبيع الورق، والآخر: بعيد خفي وهو اسم الشاعر، والمعنى المراد هو البعيد. وقد قرنت هذه التورية بما يلائم المعنى القريب وهو الصحائف، فهذا اللفظ يناسب بائع الورق. وقد جاء هذا اللفظ سابقًا للتورية، وعلى هذه الصورة جاء أيضًا قول أبي الحسين الجزار:

كيف لا أشكر الجِزارة ما عشـ ... تـ حفاظًا وأهجر الآدابا

وبها صارت الكلابُ ترجيـ ... ـني وبالشِّعر كنت أرجو الكلابا

فالتورية في لفظ"كلاب"الثاني؛ لأن له معنيين: قريب واضح وبعيد خفي، فالقريب هو الحيوان المعروف، والبعيد هو لئام الناس وشرارهم، وهو المراد، وهي تورية مرشحة حيث جمعت ما يلائم المعنى القريب وهو قوله:"صارت الكلاب تُرجيني"وقد وقع هنا الترشيح قبل لفظ التورية. ومن شواهد هذه الصورة أيضًا قول الحريري:

يا قوم كم من عانق عانس ... ممدوحة الأوصاف في الأندية

قتلتها لا أبتغي وارثًا ... يطلب مني قَوَدًا أو دية

فالتورية في لفظ"عانس"فهو لفظ حامل لمعنيين: قريب وهو البِكر التي طال مُكْثها في بيت أبيها ولم تتزوج، وبعيد وهو الخمر، والمراد هو البعيد، وقد قرنت بما يلائم المعنى القريب وهو القتل والقود والدية، إذ إنها مما يناسب الإنسان وليس الخمر، فهي تورية مرشحة جاء ترشيحها متأخرًا عن لفظ التورية. ومن بديع التورية المرشحة على هذا النمط قول شوقي في رثاء حافظ إبراهيم:

يا حافظ الفصحى وحارس مجدها ... وإمامَ مَن نجبت من البلغاء

خلفت في الدنيا بيانًا خالدًا ... وتركت أجيالًا من الأبناء

وغدا سيذكرك الزمان ولم يزل ... للدهر إنصاف وحسن جزاء

فالمعنى القريب للفظ حافظ أن يكون اسم فاعل من حفظ، وقد ذكر ملائمًا لهذا المعنى وهو"الفصحى"و"حارس"فهما يقتضيان أن يكون لفظ حافظ من المحافظة، والمعنى البعيد هو اسم شاعر النيل حافظ إبراهيم، فالتورية تورية مرشحة. ومن ذلك أيضًا قوله على سبيل المزاح والمداعبة لحافظ:

وحمَّلت إنسانًا وكلبًا أمانةً ... فضيعها الإنسان والكلب حافظ

ورد حافظ عليه مداعبًا أيضًا:

يقولون إن الشوق نار ولوعة ... فما بال شوقي الآن أصبح باردًا

فالمعنى القريب لحافظ اسم فاعل من حفظ وقد ذُكر ما يلائمه:

وحمَّلت إنسانًا وكلبًا أمانةً ... فضيعها الإنسان

والمعنى القريب لشوقي أن يكون من الشوق والحنين وقد ذكر لازمه:"إن الشوق نار ولوعة"والمعنى البعيد لكل منهما وهو المراد أن يكون عَلَمين لشاعر النيل حافظ إبراهيم، وأمير الشعراء أحمد شوقي، فالتورية في البيتين تورية مرشحة. وأضاف فريق ثالث إلى المجردة والمرشحة - اللتين أشار إليهما الخطيب القزويني - التورية المُبَيِّنة، والتورية المُهَيِّئة، وقالوا: إن التورية المبينة هي ما ذكر فيها لازم المعنى البعيد المورَّى عنه، وسميت كذلك؛ لأن هذا اللازم يبينها ويقربها، وقد يكون لازمًا قبل لفظ التورية كما في قول البحتري:

ووراء تسدية الوشاح ملية ... بالحسن تملح في القلوب وتعذب

فلفظ"تملح"يحتمل أن يكون من الملوحة ضد العذوبة، وهذا هو المعنى القريب المورى به، ويحتمل أن يكون من الملاحة وهو الحسن والجمال، وهذا هو المعنى البعيد المورى عنه. وقد تقدم ذكر ملائمي وهو قوله:"ملية بالحسن"أما قوله:"تعذب"فيلائم كلا من الملوحة والملاحة، يلائم الملوحةَ على أنهما ضدان، ويلائم الملاحة على أنهما مترادفان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت