وهناك الضرب الثاني من ضربي المجاز المركب، وهو المجاز المركب المرسل: فهو اللفظ المركب المستعمل في غير ما وُضع له؛ لعلاقة غير المشابهة مع قرينة مانعة، من ذلك مثلًا قوله تعالى: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى}
فالله يعلم ما وضعت، وامرأة عمران تعرف أنه تعالى لا يخفى عليه شيء، فهي لم تُرد الإخبار بما وضعت، وإنما أرادت أن تُبدي حزنها وتحسرها؛ لعدم مجيئه ذكرًا، حيث كانت قد وهبته ونذرته لخدمة بيت الله، فهو إذن مجاز علاقته اللزومية؛ إذ يلزم من إخبارها بوضع الأنثى أنها حزينة متحسرة.
من ذلك قوله تعالى: {رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} (يوسف: 101) فقد أراد يوسف - عليه السلام - إظهار الغبطة والسرور، فهو مجاز مركب علاقته اللزومية أيضًا؛ إذ يلزم من إخباره بأن الله قد آتاه من الملك وعلمه من تأويل الأحاديث، إبداء سروره، وإظهار غبطته، والقرينة أن الله - عز وجل - عليم بذات الصدور، ويوسف يعرف أنه تعالى في غنًى عن إخباره، ولا تخفى عليه خفية.
ومنها: إظهار التحسر، كما في قول الله تعالى حكاية عن امرأة عمران: {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} (آل عمران: 36) فليس غرضها من هذا الخبر إعلام الله بمضمون هذا الخبر، ولا إعلامه تعالى بلازم الفائدة، وهو أنها تعلم بمضمون الخبر، وهو أنها وضعت أنثى، فالله تعالى أعلم بأن الوالدة أعلم من غيرها بما وضعت، وعليه فالغرض من هذا الخبر إظهار التحسر على خيبة رجائها، وعكس تقديرها، والتحزن إلى ربها؛ لأنها كانت ترجو وتقدر أن تلد ذكرًا يحقق رغبتها في خدمة بيت المقدس؛ حيث كانت خدمته خاصة بالذكور دون الإناث؛ ولذلك تحسرت على فوات هذا الغرض، وتستطيع أن تدرك هذا الغرض بسهولة ويسر في قول الشاعر مثلًا:
ذهب الصبا وتولت الأيام ... فعلى الصبا وعلى الزمان سلام
فالشاعر هنا يتحسر على أيام صباه وزهرة عمره التي ولت وأدبرت، وأسلمته إلى الشيخوخة، وهي تؤذن بدنو أجله وانقضاء حياته، فنغمة الحزن واضحة هنا في كلام الشاعر.