فهرس الكتاب

الصفحة 105 من 536

{إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(112)}

ومن التعريض البديع قول الله تعالى فيما حكاه على لسان الحواريين: {يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}

فكان غرضهم طلب المعجزة، فعرضوا بالاستفهام عن استطاعة الرب لإنزال المائدة، فلما قال لهم عيسى: {اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} قالوا: {نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ} (المائدة: 113) فعرضوا بذلك كله وقربوه من التصريح ولم يصرحوا فتحقق عند عيسى - عليه السلام - مرادهم، فقال: {اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} (المائدة: 114) .

فدعا باسمه العظيم الجامع وأردفه بقوله: {رَبَّنَا} لقولهم: {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ} وعمم الرب؛ إذ لا يستطيع ذلك إلا الله، فسأل الله المائدة وأن تكون عيدًا، ففي ضمن هذا تصديقهم له وهو من التعريض البديع، وسأل أن تكون آية وذلك بما لا يصح أن يكون إلا للأنبياء. ثم قال: {وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ} تعريضًا بطلب ما سألوه من الأكل منها؛ لأنه من الجائز أن كان أنزل عليهم مائدة وحظَر عليهم الأكلَ منها.

ويدخل في باب التعريض قول الله تعالى: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا} (المؤمنون: 115) فالاستفهام هنا ورد على سبيل الإنكار، لكنه تعريض بالكفار في إنكار الرجعة والمعاد الأخروي، وليس ذلك من جهة اللفظ وإنما من جهة القرينة، أن هذا قوله تعالى حكاية عن المنافقين في غزوة تبوك: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} (التوبة: 81) فازدياد حر جهنم وكونه أشد من حر الدنيا معلوم لدى المخاطبين بالقرآن، ولا معنى لذكره والتنبه عليه، لكن الغرض الحقيقي من هذا الكلام، هو التعريض بهؤلاء المتخلفين عن القتال المعتذرين بشدة الحر، بأنهم سيردون جهنم ويردون حرها الذي لا يوصف. ومن هذا قوله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} (الرعد: 19) هو تعريض كذلك بالكفار الذين لم يتذكروا وأعرضوا عن الدعوة.

ومما يروَى من بديع التعريض: أن امرأة وقفت على قيس بن عبادة فقالت: أشكو إليك قلة الفأر في بيتي فقال: ما أحسن ما ورت عن حاجتها، املئوا بيتها خبزًا وسمنًا ولحمًا.

ومثله ما روي: أن عجوزًا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له: يا أمير المؤمنين، مشت جرذان بيتي على العصي - والجرذان إنما هي ذكور الفئران - فقال لها: ألطفت في السؤال لا جرم لأردنها تثب وثب الفهود. وملأ بيتها حبًّا.

فقد فهم قيس بن عبادة وسليمان بن عبد الملك ما تريد كلتا المرأتين لا من اللفظ، ولكن من حالهما وطريقة إخبارهما، وكونهما المقصودين وقدرتهما على إغاثة الملهوف وذلك هو السياق، فلو أن هذا القول قد صدَرَ من غير محتاج أو كان المخاطب بها ليس أهلًا لقضاء الحاجات، لكانت هذه الأقوال من قبيل الحقيقة وليس من قبيل التعريض.

وأجمل مواقع إنما يكون في التعريض كقوله تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} (فاطر: 18) فالمراد التعريض بمن لا يخشون الله، والإشارة إلى أن إنذار هؤلاء لا يجدي فإنذارهم مثل عدمه. ومنه التعريض بخِطبة المرأة كأن يقول الرجل مثلًا: والله إنك لجميلة، ولعل الله أن يرزقك بعلًا صالحًا، وإني لفي حاجة إلى امرأة صالحة. وقد جعل الله التعريض بخطبة النساء جائزًا في عدتها دون التصريح، حيث قال - جل وعلا: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ} (البقرة: 235) .

وعلى ما سبق ذكره آنفًا، فقد يجتمع التعريض والكناية التعبير الواحد وتسمى الكناية عندئذ بالكناية التعريضية أو العرضية. من ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ) )، فقد أفاد الحديث الشريف حَصْرَ الإسلام فيمن سلم المسلمون من أذاه، وهذا يستلزم نفي الإسلام عن كل مَن

يؤذي المسلمين، وهو المعنى المكنى عنه، وإذا كان الحديث في مقام يوجد فيه مَن يُعرف بإيذاء المسلمين فقد فهم من عرض الكلام وجانبه التعريضُ بذلك المؤذي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت