ويأتي النهي لإرادة معنى الالتماس: وذلك إذا كان النهي من المساوي والند بدون استعلاء ولا خضوع ولا تذلل. كقولك لنظيرك: لا تفعل هذا. ومنه: قول الله تعالى على لسان هارون يخاطب أخاه موسى - عليهما السلام: {قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي} (طه: 94) .
فالنهي في قوله: {لَا تَأْخُذْ} المراد به: الالتماس؛ لأنه ليس فيه استعلاء وإلزام، ولا تذلل وخضوع، حيث وجه من هارون إلى موسى وهما متساويان في الرتبةِ والمنزلةِ، فهو يلتمس منه بهذا النهي عدم إنزال العقوبة به؛ فقد خشي إن خرج عليهم أن يتفرقوا وفي إيثار التعبير بنسبته إلى الأم: {يَا ابْنَ أُمَّ} على الرغم من كونه أخيه لأبيه وأمه استعطاف لموسى وترقيق لقلبه.
والسر البلاغي وراء التعبير بصيغة النهي في مقام الالتماس في الآية الكريمة هو إظهار حرص هارون على ترقيق قلب أخيه، ورغبته القوية الأصيلة في العفو والتسامح، وقد كان له عذر.