فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 536

{أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ ...(122)}

أما الاستعارة العنادية: فهي ما لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد لتنافيهما، وهذا لا يقدح في جمال هذه الاستعارة كما سنبين، ومن العنادية التي لا يمكن اجتماع طرفيها في شيء واحد؛ لتنافيهما قول الله، {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} (الأنعام: 122) فقد استعير الموت للضلال بجامع ما يترتب على كل من عدم الانتفاع، ولا يمكن اجتماع الموت والضلال في شيء واحد.

ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} (النمل: 80) فقد استعير الموتى للكفرة الأحياء؛ لعدم انتفاعهم بصفة الحياة، فلم يعتدّ بها فيهم، ولا يمكن اجتماع الموتى والأحياء في شيء واحد.

ومن العنادية قول المتنبي:

فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ... ولم تر قبلي ميتًا يتكلم

قد استعار الميت لمن أسقمه الحب وأضناه العشق، ولا يمكن اجتماع المحب المتيم والميت في شيء واحد، فهما لأجل ذلك سميت بالاستعارة العنادية.

ونلاحظ في الأمثلة السابقة أن الاستعارة قد بُنيت على ترك الاعتداد بوجود الصفة في المشبه؛ لفقدان ثمرتها، إذ إن الغرض من الاستعارة إلحاق الناقص بالكامل في وجه الشبه، وهو متحقق على أكمل وجه في الأمثلة السابقة.

هذا وقد تُبنى الاستعارة على تنزيل التضاد الحاصل بين الطرفين منزلة التناسب؛ لقصد التمليح، أو التهكم، وتسمى عندئذٍ بالاستعارة العنادية التمليحية، أو العنادية التهكمية.

كما سبق أن أشرنا إلى قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (الانشقاق: 24) حيث استعير التبشير للإنذار، بعد تنزيل التضاد الحاصل بينهما منزلة التناسب لقصد السخرية والتهكم، والجامع بين التبشير والإنذار إحداث المسرة بكلٍّ، وإن كانت المسرة في البشارة محققة فهي في الإنذار متخيلة.

ونظير ذلك قوله عز وجل: {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} (الصافات: 23) قد استعيرت الهداية للجر بعنف وقهر بجامع ما يترتب على كلٍّ من الخير، وإن كان تنزيليًّا في المستعار له.

ومن ذلك قوله تعالى: {ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} (الدخان: 49) أي: الذليل المهان أن السياق يدل على ذلك، فقد استعيرت العزة والكرامة للذلة والمهانة، استعارة عنادية تهكمية. من ذلك قوله تعالى أيضًا في حق شعيب حين قال له قومه {إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} (هود: 87) أي: السفيه الغوي، وفيها ما في سابقتها، إلى غير ذلك مما مر بنا من الشواهد.

من العنادية التمليحية قولنا للبخيل في مقام المزاح والمداعبة: من يجهل أن جودك عم الورى، من يجهل أن جودك عم الورى: فقد استعير الجود للبخل بجامع الإفاضة بالخير في كلٍّ، وذلك بتنزيل التضاد الحاصل بينهما منزلة التناسب، فالإفاضة موجودة في المستعار منه على وجه التحقيق، وموجودة في المستعار له تنزيلًا، من ذلك قول أبي تمام:

أنبئت عتبة يعوي كي أشاتمه ... الله أكبر أنَّى استأسد الأسد

ما كنت أحسب أن الدهر يمهلني ... حتى أرى أحدًا يهجوه لا أحد

فقد استعار الأسد للجبان استعارة عنادية تمليحية؛ إذ الجامع وهو الشجاعة موجودة في الأسد حقيقة وفي الجبان تنزيلًا. من ذلك أيضًا قول الآخر:

سليمان ميمون النقيبة حازم ... ولكنه وقفٌ عليه الهزائم

فقد استعار الهزائم للانتصارات استعارة عنادية تمليحية؛ إذ مراد الشاعر أن سليمان لا يحزم أمرًا، ولا يحرز نصرًا، ولا يتحقق على يديه أدنى خير.

كذلك لو تأملنا قول الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ} (الأنعام: 122) فنجد أن هذه الآية من الشواهد المشهورة، وفيها نرى أن المراد بالميت الضال فقد شُبِّه به واستعير له، كما أن المراد بأحييناه هديناه، فالآية إذن تذكر حالين أو مرحلتين من مراحل حياة الإنسان؛ المرحلة الأولى: كان فيها ميتًا وهو في الثانية حي، والواقع أن هذا الإنسان كان حيًّا في الحالين، حياة بمعناها المتعارف، ولكنه لما كان منطفئ الفطرة معطل الإدراك جعل مُيتًا، وكأن غاية الحياة إنما هي في استدامة الفطرة، وسلامة النظر الراشد إلى معرفة الحق والخير. الموت هنا له مفهوم جديد، ربما كان انغماس النفس في ظلمة الحيوانية وبقاء الروح مكفوفة الإدراك، تخبط في الأرض من غير غاية نبيلة تسعى إليها؛ لتسعد بها سعادة أبدية. واضح أن الحياة في هذه المرحلة حياة وموت معًا؛ لأنه يحيا ويتقلب كما يتقلب كل حي، ولكن هنا معنى قلبي ينقصه، فَسُلِب معنى الحياة من هذه الحياة.

والضلال أيضًا له مفهوم جديد في هذه الآية وبهذه الاستعارة؛ لأنه لم يعد ضلالًا وإنما صار موتًا، كما أن الموت له أيضًا مفهوم جديد؛ لأنه ليس إبطالًا للأحوال الجسمية، وإنما هو إبطال للطاقات الروحية، وكذلك الاستعارة في"أحييناه"ليست الحياة فيها هي الحياة المألوفة وإنما هي الهداية التي صارت بدورها حياة، أو ضربًا من الحياة غير مألوف؛ لأنها تعني خلوص النفس مما يثقل نهوضها السامي، الذي تهتف به فطرتها الطاهرة النازعة نزوعًا دائمًا إلى الحق والمثل الأعلى.

الاستعارة هنا جددت معاني الكلمات وأثرتها، وأفرغت فيها فكرًا جديدًا وحِسًّا جديدًا، صرنا نرى حياة ولكنها ليست حياة بالمعنى المتداول، ونرى هداية ولكنها ليست هداية بالمعنى المتداول أيضًا، وكأننا أمام حقيقة ثالثة ليست المستعار منه ولا المستعار له، أعني: ليست الطرفين اللذين زاوجنا بينهما وإنما هي شيء ثالث ولده هذا التزاوج والتداخل، الذي أدمج المستعار له في المستعار منه، ولكنه لم يشكله تشكيلًا كاملًا في صورة المستعار منه وإنما بقي بين بين.

ولعل السكاكي أحس بهذا حين زعم أن معنى"فردًا"غير متعارف هو الهداية التي صارت حياة أو الحياة التي هي هداية، وكانت هذه الفكرة ترِد في كلام عبد القاهر على درجة بينة من الوضوح في مثل قوله: إننا في الاستعارة نتوهم واحدًا من الأسود قد استبدل بصورة إنسان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت