فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 536

{قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ ... 108)}

وقوله: {فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} (الأحزاب: 19)

فالحق والخوف من الأمور المعنوية التي لا يتصور منها إتيان أو مجيء، لكنها شُبهت بمن يكون منه الإتيان والحركة؛ تجسيمًا للمعنويات وتشخيصًا لها. ومعلوم أن جوهر الشعر كله بكل لغة هو التأثير الشديد في النفوس، فالشعر لا يلجأ إلى المنطق ولا إلى الحجة كما في النثر ولا يخاطب العقل بل وجهته الروح والقلب والعاطفة، وليكون الشعر مؤثرًا في النفوس وأعلق بالقلوب وأطرب للأفئدة، فيجعل الشاعر طريقة التصور منهجًا، ويتخذ من التمثيل والتصوير سبيلًا لصوغ شعره.

ويروَى أن بشارًا سمع أبا العتاهية ينشد الخليفة المهدي قصيدته التي يقول فيها:

أتته الخلافة منقادة ... إليه تجرجر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له ... ولم يك يصلح إلا لها

ولو رامها أحد غيرُه ... لزلزلت الأرض زلزالها

هنا عندما سمع بشار هذه الأبيات وكان أعمى، قال لصاحبه: انظر ويحك هل طار الخليفة عن فرشه، وكأن عجب بشار لما في تصوير أبي العتاهية وإبداعه في التمثيل وبلوغه الغاية في التخييل، مما جعل التأثير في السامع قويًّا وشديدًا.

وانظر مثلًا إلى - مع قول أبي العتاهية - قول سامي البارودي عندما يقول:

إذا استل منهم سيد غرب سيفه ... تفزعت الأفلاك والتفت الدهر

فنجد أن الخِلافة والأفلاك والدهر قد تحولت بالاستعارة إلى كائنات حية؛ تفزع وتتلفت وتمشي في عجب وحياء، وقد صارت للخلافة المنقادة أذيال تجررها.

وتأمل معي قول أبي ذؤيب وقد سبق ذكره:

وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع

فهنا نجده قد أبرز المنية في صورة محسوسة مشاهدة، إذ جعلها سَبْعًا يفتك وينشب أظفارًا.

ومن خصائص الاستعارة - إلى جانب ما ذكرنا من تجسيد المعنويات - الإيجاز، فإن الاستعارة تعطي المعاني الكثيرة بألفاظ قليلة يسيرة. خذ مثلًا قول ابن المعتز:

أثمرت أغصان راحته ... لجناة الحسن عُنابا

وقد استعيرت الأغصان للأصابع، والعناب للأنامل، والمعنى: أثمرت أصابع يده الشبيهة بالأغصان بنانًا مخضوبةً كالعناب، ولا يخفى عليك ما أحدثته هذه الاستعارة من إيجاز، مع حسن بيان وجمال تصوير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت