فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 536

{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ(27)}

ومن الأمثلة التي يتراءى التعريض من خلالها، نرى أنه يجري في أنواع الأساليب المختلفة ما كان منها حقيقة وما كان منها مجازًا أو كنايةً، وإنما يتم ذلك بتوجيهها الوجهة التي يتوخاها الأديب، وإلا فإنها تقف عند دلالتها التي هي الأصل في استعمالها، وهذا ينتهي بنا إلى القول: بأن الكناية تكون، ولا تعريض والتعريض يكون ولا كناية.

من روائع التعريض قول الله تعالى يحكي عن قوم نوح: {فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ}

فظاهر العبارة يحكي أنهم لم يروا إلى جانبه شيئًا من أمارات النبوة فهو بشر مثلهم، وأتباعه من سفلة القوم في زعمهم، أما باطن العبارة فهو يعني شيئًا آخر، ربما كان - والله أعلم - متمثلًا في رمي أتباع نوح بالغباء والغفلة والسخرية منهم؛ لقصورهم في التفكير حيث ذهبوا إلى منافاة النبوة للبشرية، وإلى الربط بين الفقر والإيمان بدعوة نوح - عليه السلام - أو اصطفائه من بينهم ليكون أحدَ أولي العزم من الرسل، ولم يدركوا أن النبوة اختيار من الله لمن يهيئه للنهوض بأعباء الدعوة ومواجهة الصعاب، وأن الفقر لا يمنع أن يكون الإنسان ذا نفس طاهرة ترتفع بصاحبها إلى أعلى درجات الأبرار، وترقَى به إلى أشرف مراتب القرب من بارئ السموات والأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت