فهرس الكتاب

الصفحة 258 من 536

{يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا(44)يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا(45)}

كما قد ينزّل القريب منزلة البعيد فينادى بغير الهمزة وأي لأغراض بلاغية؛ أهمها الإشعار ببعد منزلته وعلو مكانته، فينزّل بعد المنزلة وعلو المكانة منزلة البعد المكاني، كما في قول الله تعالى: {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا} (مريم: 44، 45) الإشعار بأن المنادى وضيع المنزلة منحط المكانة، وكأنه بعيدٌ عن القلب فينزل هذا البعد النفسي منزلة البعد المكاني، ومنه قول الفرزدق في هجاء جرير:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع

التنبيه على عظم الأمر المدعو له وعلو شأنه وإظهاره، حتى كأن المنادى مقصر فيه غافل عنه مع شدة حرصه على الامتثال، كما في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} (المائدة: 67) أن يكون المنادى نائمًا أو ساهيًا، فيكون كلٌّ من النوم والسهو بمنزلة البعد الذي يقتضي علو الصوت، كقولك: هيا عمر استيقظ، أيا خالد تنبه، الإشعار بغفلة المنادى عن الأمر العظيم الذي يقتضي اليقظة والانتباه، كقولك: هيا فلان تهيأ للحرب. ويأتي أسلوب النداء مفيدًا لمعان بلاغية كثيرة، تفهم من السياق وقرائن الأحوال؛ من ذلك الإغراء وهو الحث على طلب الأمر الذي ينادى له، كقولك لمن يتظلم: يا مظلوم تكلم، فأنت تريد بهذا النداء إغراءه وحثه على بث الشكوى وإظهار التظلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت