يعني: إن أمكن لكم أن تنكحوا ما قد سلف فانحكوه، فلا يحل لكم غيره، وذلك غير ممكن، والغرض هو المبالغة في تحريمه. والمعنى: إن أمكنكم أن تنكحوا ما قد مات من زوجات آبائكم فانكحوهن، فهذا النوع الوحيد المحلل لكم من أزواج آبائكم، وهذا من باب التعليق بالمحال.
وليس هذا هو الوجه الوحيد في معنى الآية وإن كان أرجحها عند أبي السعود. أما عند العلوي فنجد تأكيد المدح بما يشبه الذم وتأكيد الذم بما يشبه المدح أحد وجهي التوجيه، ذلك المصطلح الفضفاض عنده الذي جمع في جعبته عدة فنون بلاغية، وعلى الرغم من ذلك فإن مصطلح تأكيد المدح بما يشبه الذم ظل هو المصطلح المرضي عند جمهرة علماء هذا الفن، وفي مقدمتهم السكاكي والخطيب وشراح (التلخيص) . والذي يُفهم من دلالة هذا المصطلح الشائع أن صورة المدح المراد توكيدها تأتي في معرض ما يشبه الذم، ولو لم ترد في هذه الصورة لخرجت من هذا الباب، فإذا ما نظرنا في البيت العلم الذي يعد عمدةً في هذا الباب؛ لأنه هو الذي فتح القولَ فيه، وهو قول النابغة الذبياني:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
فما الذي نره؟ إنك تجده يبدؤك بنفي جنس العيب عنهم، فينفي أن يكون فيهم عيب أي عيب، فلا هنا نافية للجنس، وقبل أن تستقر في وعيك هذه الحقيقة - وهو أنهم قوم لا شيء من العيب فيهم - جاءتك أداة الاستثناء غير، وأنت لا تستثني مما مضَى إلا ما هو داخل فيه، وفي هذا إيهام بأن هناك شيئًا من العيب يمكن أن يَلحق بهم، ويستمر هذا الوهم معك وهو ينشد ما بعد أداة الاستثناء:"أن سيوفهم بهن فلول".
ويظل وهمُك باقيًا مع هذا الاستمرار حتى إذا ما وصل إلى آخر العبارة الماضية، وهو لا يصل إليها في إنشاد الشعر إلا بعد وقت طويل بالمقارنة بقراءة الجملة النثرية، ويزيد في زمن الإنشاد أن هذه الفقرة موزعة بين شطري البيت، ومن المحتمل أن يكون إنشاد الشعر عندهم كان قائمًا على أساس من إنشاد كل شطر وحده. أقول: إن وهمك يظل باقيًا مع استمرار الإنشاد ويظل ذهنك مترقبًا لهذا العيب الذي سيجيء، وتظل في حالة شوق إليه ولهفة عليه، حتى إذا ما انتهى من إنشاد الفقرة الماضية ووصل إلى آخرها، أدركتَ أن هذا العيب المستثنى بـ"غير"من جنس العيب المنفي سابقًا، ففلول السيف في الأصل عيب، وإذا كانت سيوفهم بهن فلول فإن هذا يعيبهم، وهنا يستقر ذهنك وينتهي ترقبك ويهدأ بالك، ولكن قبل أن تطمئن إلى ذلك يأتي قوله:"من قراع الكتائب"، فيتبين لك أن ما توهمته عيبًا، وأوحَى إليك الشاعر به وعمد إلى تقريره في نفسك على أنه من صفة العيب المستثناة، لم يكن كذلك، وإنما هو تثبيت لنفي جنس العيب وترسيخ له.
فأن يكون فلول السيوف بسبب الحرب والنزال ومقارعة الأعداء فهذا إثبات للشجاعة بالدليل الحسي المشاهد، فلا تفل السيوف إلا من شدة المنازلة وقوة المقارعة. فانظر كيف تلاعب الشاعر بتصوراتك وكيف قاد وهمك وذهنك بين المدح بنفي العيب نفيًا مطلقًا فأوهمك أن هناك عيبًا لاحقًا به، فالارتداد بك إلى ما بدأك به، وما كنت تتقلب هذا التقلب وتنتقل هذه الانتقالات، لو أن الشاعر اكتفَى بالاستثناء وحده ثم فاجأك بالصفة المستثناة التي يتبين لك سريعًا أنها من قبيل المدح الصراح. إن فلول السيف عيب حقيقي وإثباتها للممدوحين إثبات حقيقي، ولكن الذي قلب ما أوحت به هذه الصورة رأسًا على عقب، هو أن هذا لم يكن لإهمالهم السيوف أو عدم انتقائها عند الشراء بحيث يختارون أردأها، ولكن هذا كان من الحرب ومنازلة الأعداء، فانتفت حينئذ صفة العيب وثبت في الوقت نفسه ضدها، وهو أن فلول السيوف على هذه الصورة من المفاخر. ومن هنا تجيء الخلابة في هذا الباب، ويأتي توجيه الذهن إلى وجهات متناقضة في لحظات متتابعة متلاحقة. وانظر أيضًا إلى شاهد ابن المعتز في الإثبات وهو علم في الضرب الثاني من ضروب تأكيد المدح بما يشبه الذم، غير أنه دون ما سبقه شهرةً وذيوعًا، يقول:
فتًى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
إن الشاعر هنا أثبت لممدوحه كمال الأخلاق، وهذا وصف يتنافَى معه إثبات أي صورة من صور النقص، فلما جاء الاستثناء وقع في وهمك أن هناك شيئًا من النقص يمكن أن ينقض ما استقر في وهمك وثبت فيه، ثم جاء قوله:"جواد"ليردك عن هذا الوهم، فليس الجود صفةً من الصفات المذمومة التي يصح أن تستثنَى من كمال الأخلاق، وبهذا لا يستقر الوهم عندك كما استقر في البيت الماضي. ولا يتطلع ذهنك إلى صفة العيب المثبتة كما تَطَلَّع هناك، وحتى هذه اللحظة يكون إيهام الذم قد تلاشى بسرعة واختفى أثره قبل أن يتمكن من النفس، لكن قوله:"فما يبقي من المال باقيًا"التي تلت صفة الجود قد ترجعك مرة أخرى إلى إيهام الذم، فالجود له حدود ولكن إذا تجاوز حدوده اتهم صاحبه، ولو ممن قد يصيبهم هذا الكرم البالغ مداه بالضرر كالزوجة والأولاد وهذا حديث شرحه يطول.
ولكن عند التحقيق لا ترى في هذا شيئًا من العيب، ولم يصل حاتم الطائي إلى ما وصل إليه إلا بأنه كان لا يبقي من المال باقيًا، ولم يبلغ أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - من المنزلة في العطاء ما بلغ إلا حين ما ذهب بكل ما يملك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبقِ لأهله وأولاده إلا الله ورسوله. والرسول - صلى الله عليه وسلم - هو المثل الأعلى الذي لا يدانَى في هذا الميدان، ولو كان العطاء الذي يأتي على المال كله عيبًا، لَمَا صنع التاريخ من هذه النماذج المُثل العليا في هذا الباب، فليس إذًا في إفناء المال في الجود شيء يتناقض مع كمال الأخلاق الذي أثبته في صدر هذا البيت. ولكن هذا لم يثبت إلا بعد عَرْضه على العقل والوقائع والمثل العليا في هذا الباب، ولم يؤخَذ من نص في كلام. وبهذا ترى فرقا بين البيت الماضي:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب
وهذا البيت:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
يتمثل هذا الفرق في أن البيت الأول بدأ بنفي جنس العيب ثم استثنى ما يُوهِم أنه عيب، وأن الأخير بدأ بإثبات كمال الأخلاق، ثم استثنى صفة مدح صريحة واضحة ليس فيها إيهام عيب كسابقه. ثم أعقبه ببيان درجة هذا الجود وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا. وليس هذا هو الفرق فقط وإن كان فرقًا واضحًا، ولكن هناك فرقا آخر وهو أن إثبات صفة المدح بعد الاستثناء ورَفع الوهم الذي فيه أُخِذَ في البيت الأول من نص الكلام، وهو أن فلول السيوف من قراع الكتائب، أما في البيت الثاني فإنه لم يؤخذ من نص مذكور في البيت، فالوهم جاء من الاستثناء، ثم دفعه إثبات صفة الجود ثم رده إلى مكانه بيانُ درجة هذا الجود، وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا، ثم تركك عند هذا الحد لترتد إلى المثل العليا ووقائع التاريخ، حتى يتبين لك أن هذا ليس من العيب في شيء، وأن النماذج الفذة في العطاء لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا لأنها لم تكن - أي: تلك النماذج - تبقي من المال باقيًا. وبهذا الاستنتاج العقلي يدخل الممدوح في الإطار الذي دخلت فيه هذه النماذج الخالدة، وهذا أقصى ما يطمح إليه إنسان. ونظيره البيت السابق:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
قول ابن المقرب:
وسلاب أرواح الكماة لدى الوغى ... ولكن مرجيه لدى السلم سالبه
فما قبل لكن وصفٌ للممدوح بالجرأة والشجاعة لدى الوغى، وما بعد لكن وصف آخر بالكرم وتحقيق الرجاء. ونلاحظ أن الذي ذُكِر في البيت أداة استدراك وليس أداة استثناء. ومنه قول بديع الزمان الهمذاني:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
وقول الآخر:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم - وهذه صورة ثالثة يأتي عليها هذا الضرب من ألوان البديع - ما يوهم ظاهره أنه ذم خالص، كقول بعضهم:
ولا عيب فيهم غير شح نسائهم ... ومن المكارم أن يكن شحاحا
فقراءة الشطر الأول لا تدل على مدح، فالشح عيب ولا خيرَ فيه، وفي القرآن الكريم: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9) هكذا على الإطلاق لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك، وعلى هذا يكون ما استثناه عيبًا بل عيبًا شنيعًا، وناهيك بالشح عيبًا وشناعةً، ولكن الشاعر حينما قال:"ومن المكارم أن يكن شحاحًا". مَحَا ما وقع في وهمك أولًا، وبين أن هذا من المكارم، ولولا ما جاء في الشطر الثاني لما كان الشطر الأول إلا ذمًّا خالصًا. وربما عنَى بذلك أنهن يحافظن على أموال أزواجهن فلا يسرفن في الإنفاق كما هو الشأن في المرأة، ولا يبذرن ولا يخرجن منها إلا ما أذن فيه الأزواج، فسمى ذلك شُحًّا؛ مبالغةً في صورة المحافظة على المال، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وهذا نوع جديد غير ما مضى. ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم قول حاتم الطائي:
وما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
فيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها
ففي صدر البيت الأول ينفي شكوى جارته منه، والشكوى إنما تكون من أمر غير مرضي من قبل الشاكي، وأن تفعل مع جيرانك ما يرضيهم ولا يشكون منه فهذا أمر حسن تُحمد عليه، وهو من حسن الجوار الذي تدعو إليه مكارم الأخلاق وشرائع السماء. وفي هذا مدح للنفس وفخر بفعالها، فلما جاء الاستثناء"غير"أوقع في وهمك أن هناك شيئًا تشكو منه الجارة، وبالتالي فإنه يوهم أنك فعلت معها ما لا يرضيها، فلا تكون الشكوى إلا من ذلك، وهذا يقلل من مدحه لنفسه الذي بدأ به. ومع هذا الوهم الذي يتبعه ترقب ما فعله معها وانتظار خبره، واللهفة المصاحبة لذلك، يستمر في إنشاده:"إنني إذا غاب عنها بعلها"فنحن حتى هذه اللحظة لا نعرف ماذا يفعل معها حينما يغيب عنها بعلها وهو ما تشكوه منه، وقد يذهب بك الظن كل مذهب في تقدير هذا الذي يفعله مع جارته في غياب بعلها. ولكن حينما يأتي إلى نهاية البيت تعرف جوابَ الشرط وهو:"لا أزورها". وعدم زيارة الجارة في غيبة الزوج ليس من العيب في شيء، بل هو مما يتمدح به العربي قبل الإسلام؛ دلالةً على حفظ الجوار وحفظ غيبة جاره.