من الاستعارات التمثيلية المقبولة والبعيدة عن إدخالها في صفات الله - سبحانه وتعالى - قول الله جل وعلا: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ}
فقد عدَّها البعض من قبيل الاستعارة التمثيلية؛ حيث شبهت حال الغضب الذي أثار موسى بعض الوقت، ثم هدأ بحال رجل أثار غيره ثم سكت، بجامع التحول من حال إلى حال.
والأولى حمل الآية على الاستعارة المكنية مثل ذلك أيضًا قوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ} (ق: 37) ، فإننا نجد أن المقام يقتضي حمل الآية على الاستعارة التمثيلية؛ إذ المراد الحثُّ على النظر والتقريع على تركه، وقد ذكر بعض المفسرين أن المراد بالقلب العقل، ولكن البلاغيين لم يرتضوا هذا التفسير، وإن كان المرجع عند التحصيل إليه، وذلك لإخلاله بالمراد، وبيَّنوا أن الكلام مبني على تخييل أن من لم ينتفع بقلبه، فلا ينظر، ولا يعي، يكون بمنزلة من عدم قلبه جملة. وهذا يتفق مع ما تريده الآية من الحثِّ على النظر والتقريع على تركه.
وقوله تعالى: {وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ} يمكن حمله على المكنية أيضًا بأن يشبه الغضب بكائن حي يحث موسى - عليه السلام - ويحركه، قد حُذف المشبه به، ورمز له بشيء من لوازمه وهو السكوت، وأثبت هذا اللازم للغضب على سبيل الاستعارة التخييلية.
وهنا لا بد من التنبيه على أمر مهم، وهو أن لازم المشبه به الذي يثبت للمشبه ينبغي أن يكون له اختصاص قوي بوجه الشبه في المشبه به؛ حتى تتحقق المبالغة المطلوبة، وهذا اللازم على نوعين:
أولاهما: ما يتحقق به كمال وجه الشبه في المشبه به كقولنا مثلًا: ظهر وجه الحق، فالمشبه به المطوي هو الإنسان المشرق الوجه، وقد أثبت لازمه وهو الوجه إلى المشبه وهو الحق، وهذا اللازم يتحقق به كمال الإشراق في المشبه به؛ لأن الوجه هو مظهر الإشراق والوضوح في الإنسان، ومن ذلك أيضًا قول الهزلي:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع
لأن الأظفار، وهي لازم المشبه به الذي أثبت للمشبه هي التي يكمن بها الاغتيال في السبع؛ لأن فتكه بها أقوى من فتكه بالأنياب.
الثاني: ما يتحقق به قوام وجه الشبه، ووجوده في المشبه به كقولنا مثلًا: مشت بنا أقدام الزمن إلى المصير المحتوم، فقد طوى المشبه به وهو الإنسان، وأثبت لازمه وهو الأقدام إلى المشبه وهو الزمن، وهذا اللازم لا يتحقَّق وجود وجه الشبه وهو الانتقال، والذهاب إلى الغاية في المشبه به المحذوف وهو الإنسان، إلا بذكره ووجوده.