فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 536

{فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا ...(82)}

المقابلة في لغة العرب: مِن قابل الشيء بالشيء مقابلةً وقِبالًا أي: عارضه، فمقابلة الكتاب بالكتاب وقباله به: معارضته، والمقابلة: المواجهة، والتقابل مثلُه، يقال: تقابل القوم يعني: استقبل بعضهم بعضًا، ومنه قول الله تعالى في وصف أهل الجنة: {إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ} (الحجر: 47) ، جاء في التفسير: أنه لا ينظر بعضهم في أقفاء بعض، فالمقابلة على هذا معناها في اللغة: المعارضة والمواجهة.

أما في اصطلاح البلاغيين: فمعناها أن يؤتَى بمعنيين متوافقين أو معانٍ متوافقة، ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب، كذا في (الإيضاح) للخطيب القزويني، فترى هذا المعنى في قوله الله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} .

وقول أبي دلامة:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعَا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

فقد جاءت الآية الكريمة: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} بمعنيين متوافقين، وإن كانا غير متناسبين، ألا وهما الضحك والقلة، ثم جاءت بما يقابل هذين المعنيين وهما البكاء والكثرة على الترتيب؛ حيث جاء الضحك أولًا في الطرف الأول من المقابلة، فجاء مقابله وهو البكاء أولًا في الطرف الثاني، وكذا القلة والكثرة جاء كل منهما ثانيًا في كِلا الطرفين.

وفي البيت:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعَا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

جاء الشاعر بمعان متوافقة متناسبة، هي الحسن والدين والدنيا، ثم جاء بمقابل هذه المعاني وهي القبح والكفر والإفلاس على الترتيب كذلك، حيث إن القبح من الطرف الثاني يقابل الحسن، والكفر يقابل الدين والإفلاس يقابل الدنيا التي أراد بها الغنى، ومعنى التوافق في التعريف: ما كان خلاف التقابل، فيشمل المتناسبين أو الأمور المتناسبة كما في مراعاة النظير؛ ولذا فقد تجتمع المقابلة ومراعاة النظير كما في بيت أبي دلامة السابق؛ حيث إن الطرف الأول من المقابلة - وهو الحسن والدين والدنيا - أمور متناسبة، فهي مجلبة للسعادة وتجتمع في الذهن بهذا المعنى، وكذا تجد الطرف الثاني - وهو القبح والكفر والإفلاس - بأنها مجلبة للشقاء ولها ارتباط في الذهن بهذا المعنى. كما يشمل التقابل المعنيين غير المتناسبين أو الأمور غير المتناسبة كما في الآية السابقة، فلا تناسب بين الضحك والقلة، ولا بين البكاء والكثرة.

وقد عرّف قدامة ابن جعفر المقابلة بقوله: هي أن يصنع الشاعر معاني يريد التوفيق بين بعضها وبعض أو المخالفة، فيأتي في الموافق بما يوافق وفي المخالف بما يخالف وعلى الصحة، أو يشترط ويعدد أحوالًا في أحد المعنيين، ثم يأتي فيما يوافقه بمثل الذي شرطه وعدده، وفيما يخالف بضد ذلك، وقد مثل ابن قدامة للمقابلة بقول الشاعر:

وإذا حديث ساءني لم أكتئب ... وإذا حديث سرني لم أسر

فقد جعل بإزاء سرني ساءني، وبإزاء الاكتئاب أسر، وهذه المعاني غاية في التقابل، والمتأمل في تعريف قدامة خصص التوافق في المقابلة بما كان متناسبًا، وعلى هذا فإن هذا اللون عنده يشتمل على لونين من المحسنات البديعية وهو مراعاة النظير والمقابلة، بينما المقابلة عند جمهور البلاغيين - على ما أوضحنا - تعم ما كان من المعاني متناسبًا وما كان منها على غير التناسب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت