فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 536

ويجرنا هذا إلى الحديث عن بيان الفرق بين المقابلة والطباق؛ إذ كثير من البلاغيين يرون أن المقابلة نوع من الطباق، وأنها داخلة فيه، فالخطيب القزويني يذكر هذا اللون بعد فراغه من الطباق وأقسامه بقوله: ودخل في المطابقة ما يُخص باسم المقابلة، وكذلك فَعَل غيره من المتأخرين، وحجتهم أن هذا اللون قائم على الجمع بين معنيين متقابلين في الجملة؛ أي: على وجه مخصوص دون آخر، إذ ليس التقابل بين كل اثنين من المعاني، فمثلًا لا تقابل بين الضحك والقلة في قول الله تعالى: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا} حتى يكون طباقًا، ولا بين البكاء والكثرة وإن كان فيه مقابلة بين الضحك والبكاء والقلة والكثرة؛ وحيث كان في المقابلة جمع بين معنيين متقابلين في الجملة كان طباقًا لصدق تعريفه عليه، وإن عُدّ من حيث التقابل بين العبارتين مقابلة.

أما السكاكي فقد جعل المقابلة قسمًا قائمًا برأسه من المحسنات المعنوية وعرفها بقوله: أن تجمع بين شيئين متوافقين أو أكثر وبين ضديهما، ثم إذا شرطت هنا شرطًا شرطت هناك ضده. ومثّل لها بقوله تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (الليل:5 - 10) ، وقد تبع السكاكي قومٌ منهم العلامة عبد الحكيم فقد رجح رأي السكاكي وعلل هذا الصنيع بقوله: لا يخفى أن في الطباق حصول التوافق بعد التنافي؛ ولذا سُمي بالطباق، وفي المقابلة حصول التنافي بعد التوافق، ولذا سمي بالمقابلة وفي كليهما إيراد المعنيين بصورة غريبة، فكل منهما محسِّن بإنفراده واستلزام أحدهما للآخر يقتضي دخوله فيه، فالحق مع السكاكي في جعله المقابلة قسمًا مستقلًّا من البديعيات المعنوية.

وذهب قومٌ من البلاغيين إلى أن المقابلة أعم من الطباق، قال المطرزي: المقابلة أعم من الطباق فإن المقابلة يدخل فيها نحو:"أن تبنوا الدنيا وغيث الجود"

فلم يعتبر التنافي، وصاحب (بديع القرآن) شرط في المقابلة أن تكون بأكثر من اثنين من الأربعة إلى العشرة، وعلى هذا فالمراد بالتوافق ليس التناسب، بل خلاف التقابل مطلقًا سواء كانا متناسبين أم لا، ولا شك أن الطباق كله تقابل كما سبق في حده، فاسم التقابل صادقٌ عليه إلا أنه اصطلحوا على تسمية هذا النوع فقط تقابلًا وهو ما كان الطباق فيه مكررًا، فإن قلت: إذا كان التقابل المراد أخص من التقابل والأخص لا يدخل في الأعم، بل الأعم يدخل في الأخص. قلت: كثيرًا ما يقال عن الفرد أنه داخل في الجنس، والمراد إعلام أنه فرد من أفراد الجنس غير خارج عنه، لم يريدوا دخول النوع بجميع أجزائه، بل دخول ما فيه من حصة الجنس.

وإذا تجاوزنا عن الجزء الأخير وهو ثم إذا شرطت هنا شرطًا شرطت هناك ضده الذي أوجده السكاكي في تعريفه، وجدنا أن التعريفين متقاربان، غير أن الخطيب اشترط الترتيب في المقابلة ولم يشترطه السكاكي، وليس هذا بفرق كبير، أما الشرط وضده وهو الذي اعتبره السكاكي في تعريف المقابلة فهو الفارق الأساسي بينهما.

لكن صاحب (الأطول) لا يرتضيه فرقًا يقوم على أساسه مذهب خاص للسكاكي في المقابلة، قال: ونحن نقول: إن إثبات مذهب جديد للسكاكي بلا سند معتدٍّ به مما يستحسنه العقلاء، وقول السكاكي: وإذا شرط هنا أمر شرط ثمة ضده، كما يحتمل أن يكون بيانًا لما لا بد منه للمقابلة، يحتمل أن يكون بيانًا لما به يكتمل ويزيد حسنها، بل سوق كلامه حيث قال بعد التعريف: ثم إذا شرط ها هنا أمر شرط هناك ضده، يدل على المخالفة بين هذا الكلام والتعريف، وإذا لم يكن هذا الجزء من التعريف كما ذهب إلى ذلك العصام، لم يكن هناك فرق بين ما ذهب إليه الخطيب والسكاكي، إلا في مسألة الترتيب التي أدخلها الخطيب في التعريف صراحةً، وربما من أجل هذا لم يرد الخطيب أن يعترض على تعريف السكاكي أو يفنده.

من هنا يكون ما ذهب إليه التفتازاني والمغربي من أن بيت أبي دلامة:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

ليس من المقابلة عند السكاكي؛ لأنه اشترط في الدين والدنيا الاجتماع، ولم يشترط في الكفر والإفلاس ضده، يكون هذا ليس بسديد، فعدم الشرط في الكفر والإفلاس هنا لا يقدح في المقابلة، وإن انتقص من كمالها وحسنها على ما بينه العصام.

صورة المقابلة إذن عند الخطيب لا تختلف كثيرًا عن صورة المقابلة عند السكاكي، والمقابلة على هذا تدخل صور المطابقة، ولكن لا بأس من أن يكون لها باب مستقل خاص يعالج مسائلها وصورها وخصائصها وبلاغتها؛ لأن الحديث عنها يتشعب ويطول، وإفراد باب خاص لها لا ينبغي أن يُفهم منه على أنها مختلفة عن الطباق اختلافًا جوهريًّا، فليس هذا بشرط دائمًا لتخصيص باب مستقبل لفن بعينه.

إن الأساس التي تقوم عليه المقابلة عند السكاكي والخطيب هو نفس الأساس الذي يقوم عليه الطباق وهو التضاد في المعاني.

غاية ما في الأمر، أن التضاد في الطباق يقوم بين معنيين متضادين فقط، أما في المقابلة فإن التضاد يكون بأكثر من ذلك، وهنا ينفرد التقابل بخصوصية وهو أن المعاني المجتمعة قبل التقابل لا بد أن تكون متوافقة، وهذا النوع طباق صريح عند كثير من القدماء والمحدَثين.

والمقابلة على هذا الأساس - سواء كانت أصلًا والطباق فرعًا عليها أم كانت فرعًا على الطباق وهو الأقرب إلى الصواب - تبدأ من مقابلة اثنين باثنين وتنتهي بمقابلة ستة بستة، ولا يشترط التضاد في المقابلة كما اشترط في الطباق، فيمكنك أن تقابل بين المعاني المتضادة تضادًّا صريحًا ظاهرًا أو خفيًّا ويمكنك أن تقابل بما يلحق بالطباق بأي صورة من صوره، فالتضاد في صور المقابلة مبني على التوسع وهذا معنى قول ابن أبي الأصبع: والمقابلة تكون بالأضداد وغيرها، لكن الخطيب يفضّل التقابل بالأضداد على التقابل بغيرها، وهذا واضح من الموازنة بين بيت أبي دلامة في مقابلة ثلاثة بثلاثة:

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل

وبيت أبي الطيب في مقابلة خمسة بخمسة:

أزورهم وسواد الليل يشفع لي ... وأنثني وبياض الصبح يغري بي

قال: ورُجّح بيت أبي الطيب على بيت أبي دلامة لكثرة المقابلة مع سهولة النظم، وبأنها قافية هذا متمكنة وقافية هذا مستدعاة، فإن ما ذكره غير مختص بالرجال، كما يتميز بيت أبي دلامة على بيت أبي الطيب بجودة المقابلة، فإن ضد الليل المحض هو النهار لا الصبح، ومعنى هذا أن بلاغة المقابلة قائمة على أساسين: كثرة المقابلات والتضاد الحقيقي.

فإذا اجتمعَا معًا كان أبلغَ وإذا تفرقَا حاذ كلٌّ جانبًا من البلاغة كما اتضح في الموازنة، فمن مقابلة اثنين باثنين قوله تعالى: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} (البقرة: 185) ، حيث قوبل إرادة اليسر بإرادة العسر، ومنه قوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (التوبة: 81) ، حيث قُوبل الفرح والقعود بالكراهية والجهاد، وهذا ينم عن عداوة المنافقين وشدة حقدهم، فسرورهم كامن في القعود والتخلف وحزنهم وكراهيتهم في الجهاد لإعلاء كلمة الحق.

ومن مقابلة اثنين من المعاني باثنين قوله تعالى: {يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} (الأعراف: 157) ، حيث قابل الأمر بالمعروف بالنهي عن المنكر، وحِل الطيبات لهم بتحريم الخبائث عليهم. وقوله: {فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (التوبة: 82) . حيث قوبل الضحك بالبكاء والقلة بالكثرة، ومنه قوله تعالى: {بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ} (الحديد: 13) ، حيث قوبل بين {بَاطِنُهُ} و"رحمة"بـ"ظاهره"و {الْعَذَابُ} ، ومثله قوله في نفس السورة: {لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (الحديد: 23) . حيث قوبل الأسى بالفرح وما فات بما هو آتٍ، ومنه قوله - جل وعلا: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} (الانفطار:13 - 14) .

ويدخل في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم: (( إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه ) )وقول عمران الطلحي للمنصور وقد وجه إليه قوله: بلغني أنك بخيل، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجمدُ في حق ولا أذوب في باطل.

ومن ذلك أيضًا قول جرير:

وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى وأما ليله فبصير

ومنه قول أحد الأعراب لرجل: إن فلانًا وإن ضحك لك فإنه يضحك منك، فإن لم تتخذه عدوًّا في علانيتك فلا تجعله صديقًا في سريرتك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت