(تعريف وجه الشبه)
التشبيه باعتبار وجه الشبه الذي يمثل الركن الثالث من أركان التشبيه الأربعة المتلفظ بها، وذلك بعد أن تحدثنا فيما سبق عن الركنين الأولين المشبه والمشبه به، والأحوال والصور التي يأتي عليها كل منهما، ووجه الشبه هو المعنى الذي يشترك فيه طرفا تشبيه تحقيقًا أو تخييلًا.
تحقيقًا يعني: على جهة التحقيق، وتخييلًا أي: على جهة التخييل، نضرب بعض الأمثلة لما جاء على جهة التحقيق، كأن شبه مثلًا الشعر بالليل، ويشبه الرجل الشجاع بالأسد، ويشبه مثلًا الخد بالورد، إلى غير ذلك، وإنما يقع الفرق من جهة الزيادة والنقصان، والقوة والضعف، فغالبًا ما يكون وجه الشبه في المشبه به أبرز وأعرف، وأقوى منه في المشبه، وقد يتساويا في اتصافهما به، وقد يكون الوجه أقوى وأكمل في المشبه، وأبرز وأشهر في المشبه به، وهنا تروى قصة طريفة ملخصها أن أبا تمام راح يمدح أحمد بن المعتصم فقال في حقه:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فالمقام هنا يقتضي أن يكون اتصاف الأمير أحمد بوجه الشبه أقوى وأتم من اتصاف هؤلاء المذكورين به، ولذا لما أخذ على أبي تمام أن الأمير أكبر من أن يشبه في ذلك بهؤلاء أنشد مرتجلًا:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس
فشبه حاله في هذا بحال الآية الكريمة التي قال الله فيها: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} (النور: 35) ، فالله شبه الأقل بنوره من المشكاة والنبراس، والأصل أن يكون نور الله أقوى من كل هذا.
إذن فهذا كان حسن تخلص من أبي تمام في الخروج من هذا المأزق، أو هذا المأخذ الذي أُخذ عليه أيًّا ما كان؛ فالمشهور والمعروف أن يكون المشبه به في تحقيق وجه الشبه أقوى من المشبه، وأعرف وأظهر، هذا هو المعروف والمتداول، والغالب في صور التشبيه.
أما وجه الشبه التخييلي: فهو الذي يكون وجوده في أحد الطرفين على جهة الحقيقة، وفي الآخر على جهة التخييل والتأويل، قول القاضي التنوخي:
وكأن النجوم بين دجاها ... سنن لاح بينهن ابتداع
هذه صورة رائعة في التشبيه، فقد شبه انتشار النجوم في السماء، وقد تخللتها قطع من سواد الليل، بالسنن الواضحة، وقد اندست بينها البدع، ووجه الشبه هو الهيئة الحاصلة من وجود أشياء مشرقة مضيئة في جوانب شيء مظلم، وهو كما هو واضح مركب حسي، هذا الوجه موجود على جهة التحقيق في المشبه، ولا يوجد في المشبه به إلا على طريق التخييل؛ لأن السنن والبدع من المعقولات التي لا تتصف بصفة المحسوسات، فالتخييل الذي نقصده أن نتأمل أجزاء الصورة في الطرفين، ثم نصل إمكان الجمع بينهما في الوجه المذكور، وذلك بأن نقول: إن السنة تشبه بالنجم بجامع الاهتداء بكل منهما، والبدعة تشبه بالليل بجامع الإضلال؛ بذا تكون جزءا الصورة قد تماثلًا، وتآخيا عند النفس، ثم إن البدعة والكفر وكل ما هو جهل قد اشتهر وصفه بالظلام والسواد، وكذلك السنة والإيمان، وكل ما هو علم قد اشتهر وصفه بالإشراق والبياض.
قوله تعالى: {يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} (البقرة: 257)
قوله - عليه الصلاة والسلام - (( أتيتكم بالحنيفية البيضاء ) )ويقال: شاهدت سواد الكفر في جبين فلان، ونور الإيمان يشرق في وجه فلان، فلما اشتهر ذلك تواهمت النفس، وتخيلت أن في البدع ما
هو في الليل من ظلام وسواد، وأن في السنة ما في النجم من إشراق وبياض، وصح لديها أن تشبه سنن وقد اندست بينها البدع بالنجوم يتخللها الظلام بجامع الهيئة الحاصلة من وجود أشياء مشرقة مضيئة في جوانب شيء مظلم أسود، من التشبيه التخييلي، أيضًا قول الشاعر:
ولقد ذكرتك والظلام كأنه ... يوم النوى وفؤاد من لم يعشق
فقد شبه الظلام بيوم النوى، وبفؤاد من لم يعشق بجانب السواد في كل، فالوجه موجود في المشبه على طريق التحقيق، وموجود في المشبهين بهما على طريق التخييل هي كلمة النوى يوم النوى، وفؤاد من لم يعشق، وذلك بناء على ما ذع واشتهر من قولهم أسود النهار في عينيه، أظلمت الدنيا أمامه، وقلبه أسود كالليل، ولذا صح التشبيه، واستقام على طريق التخييل، وجعل ما ليس بمتلون متلونًا، فما أكَّد الشاعر هذا التخييل بجعل السواد في كليهما أشد وأقوى منه في ظلام الليل بقلب التشبيه، وجعل الظلام الذي هو سواده محسوس محقق مشبهًا، ويوم النوى وفؤاد من لم يعشق اللذين سوادهما متخيل جعلهما مشبهين بهما.