الصورة الثالثة من صور كمال الاتصال: أن تكون الجملة الثانية بيانًا للجملة الأولى، كما في قوله تبارك وتعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} (طه: 120) ففي الجملة الأولى خفاء وإبهام، وفي الثانية بيان وإيضاح له، والبيان والمبين كالشيء الواحد، فلا يُعطف أحدهما من ثَمَّ على الآخر؛ لما بينهما من قوة الترابط وكمال الاتصال.
وتكمن بلاغة هذه الصورة في أن البيان بعد الإبهام وقعًا في النفس وأثرًا حسنًا، فالشيء إذا أبهم تطلّعت إليه النفس واشتاقت لبيانه، فإذا ما جاء البيان صادف نفسًا يَقظة متطلعة فيتمكن فيها فضل تمكن، ومن شواهده كذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} (فاطر: 3) فجملة الاستفهام بيانٌ لقوله: {اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ} (الأعراف: 48) فإن جملة {قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ} بيانٌ لجملة {وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ} . وانظر إلى قول لبيد:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتَ في خلَف كجلد الأجرب
يتآكلون مغالة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغبِ
تجد أن قوله:"يتآكلون مغالة وخيانة"بيانٌ لقوله:"بقيت في خَلَف كجلد الأجرب". وخذْ مثلًا قوله تعالى: {وإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} (البقرة: 49) فإنك تجد أن جملة {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} والجملة المعطوفة عليها {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} بيان وإيضاح لجملة {يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ} ؛ ولذا لم يُعطفا عليها بالواو لما بينهما من شدة ترابط وقوة تلاحم وكمال اتصال.