فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 536

{فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(137)}

العيوب المخلة بفصاحة الكلمة

فصاحة الكلمة تعني أن تكون الكلمة جارية على القواعد المستنبطة من استقراء كلام العرب، متناسبة الحروف، كثيرة الاستعمال متداولة على الألسن، وإن شئت فقل: أن تكون الكلمة سلسلة سائغة واضحة المعنى موافقة للعرف اللغوي، وقد عرفها علماء البلاغة بقولهم: هي سلامتها من عيوب ثلاثة: تنافر الحروف، ومخالفة القياس اللغوي، والغرابة.

أما تنافر الحروف، فهو -كما ذكر الخطيب القزويني في (الإيضاح) - وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها وكراهيتها في الأسماع، فإذا تنافرت حروف الكلمة كان ذلك عيبًا مخلًّا بفصاحتها، وهذا التنافر منه ما هو متناه في الثقل، ومنه ما هو دون ذلك.

فمن الأول الذي يوجب التناهي في الثقل كلمة"الهخع"هكذا بهاء مضمومة في أوله، في قول عربي سئل عن ناقته فقال: تركتها ترعى الهخع. وقد قالوا: إنه اسم نبات ترعاه إبل. وقيل: إنه كلمة معاياه لا أصل لها. وعلى أي حال فأنت تدرك ما في هذه الكلمة من الثقل الشديد، ومن هذا القبيل أيضًا كلمات: عقجق والظش والصصا والشصاصا. ومثال الثاني الذي أقل في تناهيه في الثقل عن سابقه، كلمة مستشزرات في قول امرئ القيس:

وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل

المتعثكل: يعني المتراكم. غدائره: الغدائر هي الزوائد.

مستشزرات إلى العلا ... تضل المدار في مسنًّا ومرسل

يقول: إن ذوائب شعرها مرتفعات، ولكثرته تغيب خصله وتختفي في المفتول منه والمرسل، أو تغيب المدارى في المفتول منه والمرسل. فأنت تجد في كلمة مستشزرات هنا تنافرًا يحسه السمع، وتكرهه الأذن، وإن كان أخف في الثقل على اللسان من النوع الأول، وقد نشأ الثقل من توسط الشين المهموسة الرخوة بين التاء المهموسة الشديدة والزاي المجهورة، ومن هذا القبيل أيضًا كلمة اطلخم في قول الشاعر:

قد قلت لما اطلخم الأمر وانبعثت ... عشواء تالية غُبْسًا دهاريسا

اطلخم يعني: اشتد وتفاقم. عشواء: صفة لمحذوف أي ليلة عشواء شديدة الظلمة. غبسًا: جمع غبساء كعشواء. والدهاريس يعني: الدواهي.

وككلمة النُقَاخ في قول الشاعر:

وأحمق ممن يكرع الماء قال لي ... دع الخمر واشرب من نقاخ مبرد

ومثل كلمة سويداواتها في قول المتنبي:

إن الكريم بلا كرام منهم ... مثل القلوب بلا سويداواتها

وقد نشأ ثقلها من طولها كما ترى، وأيضًا من ذلك كلمة الجِرِشَّا في قول المتنبي يمدح سيف الدولة:

مبارك الاسم أغر اللقب ... كريم الجرشا شريف النسب

ولعلك تدرك التنافر في كلمة الجرشا بالإضافة إلى خفاء معناها، ففيها غرابة أيضًا، ولا مانع من وجود أكثر من عيب في الكلمة الواحدة، كالتنافر والغرابة معًا. ولكن ما سبب التنافر؟ وهل هناك ضابط يمكن الاحتكام إليه في الحكم على الكلمة بالتنافر أو عدمه؟ قالوا في الإجابة عن ذلك: إن التنافر يكون لتقارب مخارج الحروف جدًّا، فهي بمنزلة مشي المقيد أو لتباعد مخارج الحروف جدًّا، فهي بمنزلة الطفرة، ومع أنه لا يمكن تجاهل ما لمخارج الحروف وهيئة تأليفها من الأثر في خفة الكلمة وثقلها إلا أنه لا يجري على قاعدة معروفة مضطردة، بل هو أمر أغلبي، فقد تكون الكلمة فصيحة مع قرب مخارج حروفها، مثل كلمة: الجيش والشجر. ومثل: ذقته بفمي. فالباء والميم أحرف شفوية متقاربة المخارج، ولا ثقل فيها.

وقد تكون الكلمة فصيحة مع بعد مخارج حروفها مثل: علم وأمر وألم، بل إن الكلمتين قد تتركبان من حروف واحدة، وتكون إحداهما ثقيلة دون الأخرى، وذلك مثل علم، ومَلَع، فالأولى خفيفة على اللسان، ولا ينبو عنها الذوق، بخلاف الثانية مع اتحاد حروفها. والحق أن المعول عليه في ذلك، هو الذوق العربي

السليم المكتسب بالنظر في كلام العرب وتذوق أساليبهم، فما يعده الذوق السليم ثقيلًا عسر النطق فهو متنافر، سواء أكان ذلك من قرب مخارج الحروف أو من بعدها أم من غير ذلك، وما كان خفيفًا على اللسان لا ينفر منه السمع، ولا ينبو عنه الطبع فهو فصيح.

ونحن إذا احتكمنا إلى الذوق السليم في كلمة مستشزرات الواردة في معلقة امرئ القيس، نجد أنها قد عبرت عن المعنى الذي يريده الشاعر أصدق تعبير، فهو يصف شعرها بكثرته وتداخله وتشابكه، ولذلك عمد إلى كلمة فيها هذا التداخل والتشابك، وهي مستشزرات التي تداخلت أصوات حروفها، وكاد صوت التاء والشين يختفي بين صوتي الراء والسين، فهي أكثر ملاءمة للمقام الذي وردت فيه من بديلتها مرتفعات مثلًا أو مستشرفات، وصورتها توحي بصورة الشعر الذي يصفه الشاعر لا سيما بعد قوله:"أثيث كقنو النخلة المتعثكل"فالسياق يستدعي كلمة مستشزرات ويلح عليها، ولذلك جاءت معبرة عن مراده في دقة ومؤثرة في قوة. كذا قاله البعض، وذهب إليه.

كما أن طول الكلمة ليس عيبًا في كل الأحوال وعلى الإطلاق، وقد وردت في القرآن الكريم كلمات طويلة، ومع ذلك، فهي خفيفة على اللسان، لا ثقل فيها مثل قوله تعالى: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (البقرة: 137) وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ} (النور: 55) وأظنك معي، لا تجد صعوبة في النطق بهاتين الكلمتين {فَسَيَكْفِيكَهُمُ} ، و {لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ} ومثلهما {أَنُلْزِمُكُمُوهَا} (هود: 28) فطول الكلمة ليس على إطلاقه يعد عيبًا، ولذلك نقول: إن الأحكام البلاغية يجب أن تبنى على الأعم الأغلب، ولا تبنى على القطع والإطلاق؛ لأن القاعدة لا تطرد في كل الأحوال، والذوق العربي السليم هو الحكم الفيصل في مثل هذه الأمور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت