فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 536

ثاني هذه الأمور المخلة بفصاحة المفردة أو اللفظة أو الكلمة بعد تنافر الحروف: مخالفة القياس اللغوي، وهي أن تجيء الكلمة على خلاف ما ثبت عن العرب الخلص، كأن تستعمل في غير ما وضعت له في عرف اللغة لا على سبيل المجاز مثل الأيم في قول البحتري:

يشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم

وقد استعمل الأيم بمعنى الثيب؛ حيث جعلها في مقابل البكر، والأيم في اللغة تطلق على المرأة التي لا زوج لها بكرًا كانت أم ثيبًا، قال تعالى: {وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ} (النور: 32) وليس مراده تعالى نكاح الثيبات منهن دون الأبكار، وإنما أراد اللاتي لا أزواج لهن، ومنه أن تكون الكلمة مخالفة للقياس الصرفي، كما في قول أبي النجم العجلي:

الحمد لله العلي الأجلل ... الواهب الفضل الكريم المجزل

فإن القياس يقتضي إدغام المتماثلين، فيقول: الأجل، ولكنه فك الإدغام لضرورة الشعر مخالفًا بذلك ما تقرره القواعد الصرفية، ومنه كذلك قول أبي الطيب المتنبي:

فإن يك بعض الناس سيفا لدولة ... ففي الناس بُوقَات لها وطبول

فكلمة"بوقات"غير فصيحة لأن القياس يقتضي جمع بوق على أبواق جمع تكسير، ولم يرد جمعه على بوقات. ومن صور المخالفة أيضًا حذف بعض الكلمة، كما في قول الشاعر:

فلست بآتيه ولا أستطيعه ... ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضل

أراد: ولكن اسقني. فحذف النون، وهكذا نرى أن مخالفة الكلمة في الوضع اللغوي عيب في صيغتها يخرجها عن الفصاحة، ومن ثم عن البلاغة.

ولعلك تلاحظ أن العيب المخل بالفصاحة هنا ليس مقصورًا على مخالفة القياس الصرفي فقط، بل تعددت صوره ومواضعه ليدخل فيه كل ما ينكره أهل اللغة لمأخذ لغوي أو صرفي، أو تصرف في الكلمة بزيادة أو نقص غير معهودين؛ ولذلك سمي هذا العيب مخالفة القياس اللغوي، فالقول بأنه مخالفة القياس الصرفي قول ناقص، وإن شئت فقل: مخالفة الوضع اللغوي، أما مخالفة القياس فقط، فلا تكفي؛ إذ قد يحمله بعض الناس على القياس الصرفي فقط، وهذا خطأ؛ لأن مخالفة القياس الصرفي لا تخل دائمًا بالفصاحة، فقد تكون الكلمة مخالفة لقواعد الصرف، وهي مع ذلك فصيحة لموافقتها للوضع اللغوي، مثل كلمة استحوذ، والقياس الصرفي يقتضي إعلالها بقلب الواو ألفًا فيقال: استحاذ كاستقام واستجاب، نقول في مثلها: نقلت حركة الواو إلى الحرف الساكن الصحيح قبلها، ثم قلبت الواو الساكنة ألفًا لانفتاح ما قبلها، فتصير استحاذ، كاستقام واستجاب. وهي مع ذلك فصيحة لموافقتها ما نقل عن واضع اللغة.

ومن هذا القبيل كلمات: آل، وماء، وأبا يأبى، بفتح العين في المضارع، وعور يعور، فآل، وماء أصلهما: أهل ومَو، فأبدلت الهاء همزة، وإبدال الهمزة من الهاء مخالف للقياس، وأما يأبى، فالقياس فيه كسر العين، وهي هنا الباء؛ لأن فعل بفتح العين لا تفتح عينه في المضارع إلا إذا كانت عينه أو لامه حرف حلق، كسأل وقرأ ومنع، وأما عور يعور فقد بقيت الواو على حالها، ولم تقلب ألفًا لأن الوصف منه على أفعل فعلاء، وهو أعور عوراء، فالفعل لم يستوف شرط الإعلال؛ ولذلك استعمل هكذا عور يعور، بدون إعلال. فهذه الأمثلة وما يشاكلها فصيحة الاستعمال، وإن خالفت القياس الصرفي لثبوت استعمالها لدى العرب الفصحاء، فهي موافقة لما ثبت عن الواضع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت