فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 536

{مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا ...(25)}

ينقسم الطباق باعتبار الظهور والخفاء إلى ظاهر - وقد مر الحديث عنه - وخفي وقد اكتفى الخطيب بهذا الاسم، وذكر للطباق الخفي شاهدين كما في قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} (نوح: 25) ، وذكر أن الطباق هنا بين: {أُغْرِقُوا} و"أدخلوا نارًا". وفي قول أبي تمام:

مها الوحش إلا أن هاتَا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل

قال: طابق بين هاتا وتلك.

ولم يبين الخطيب لهذا التقسيم مقياسًا دقيقًا يمكن الاهتداء به ولم يبين كذلك وجه الخفاء في أيٍّ من المثالين، والآية الكريمة سبق أن تعرض لها أسامة بن منقذ في بديعه حيث قال: وأخفى تطبيق في القرآن الكريم هو قوله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} ، ولم يزد على ذلك شيئًا، وأما بيت أبي تمام فقد تعرض له القاضي الجرجاني في وساطته حيث يقول: ومن أغرب ألفاظه وألطف ما وُجد منه قول أبي تمام"مها الوحش"ثم ذكر البيت، وطابق بهاتا وتلك، وأحدهما للحاضر والآخر للغائب، فكانا نقيضين في المعنى والمنزلة الضدين، ولعله أراد أن أحدهما للقريب والآخر للبعيد، فعد القريب حاضرًا والبعيد غائبًا، وممن لمح خفاء الطباق من القدماء ابن رشيق حيث يقول: وعدَّ ابن المعتز من المطابقة قول الله - عز وجل: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاة} (البقرة: 179) ، لأن معناه القتل أنفى للقتل، فصار القتل سبب الحياة وهذا من أملح الطباق وأخفاه.

خفاء الطباق إذن ليس جديدًا، وإنما هو ضارب في أعماق القدم، وهو راجع إلى أن ملمح التضاد فيه ليس واضحًا، إن المعاني المتضادة إذا ظهرت في الألفاظ المتضادة كان الطباق فيها سهل الإدراك، كما تلمحه بين الليل والنهار، والبياض والسواد، والأول والآخر، والظاهر والباطن، والصدق والكذب والموت والحياة، وما شاكل ذلك، ولكن المعاني المتضادة قد لا تظهر في الألفاظ في قول الله تعالى: {مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا} لا ترى تضادًّا ظاهرًا بين: {أُغْرِقُوا} و"أدخلوا نارًا"؛ لأن الذي معنا هنا جملتان كاملتان وليستا مفردين، والمعاني المتضادة الخفية هنا مأخوذة من التراكيب، وليس من المفردات، فلا تستطيع أن تقول: أن بين أغرق وأدخل أي نوع من أنواع التضاد لا ظاهرًا ولا خفيًّا، ولكن إذا نظرت إلى التركيبين نظرة تأمل، لمحت بينهما نوعًا من التضاد؛ لأنه لولا تعلق الفعلين بمفعوليهما لما تحقق بينهما تقابل، فإن الغرق يستلزم الماء

المشتمل على البرودة غالبًا، والنار مشتملة على الحرارة، والحرارة والبرودة متقابلان.

والطباق الموجود بين"هاتا وتلك"في بيت أبي تمام وإن كانا واقعًا بين مفردين، إلا أنه لا تضاد بين لفظين، ولكن التضاد بين القرب المدلول عليه باسم الإشارة"هاتا"وبين البعد المدلول عليه باسم الإشارة"تلك"، وكذلك لا ترى تضادًّا ظاهرًا بين القصاص والحياة، وإنما التضاد بين الحياة والموت.

ولكن لما كان القصاص هنا يؤدي إلى الموت؛ ولأن القصاص الذي ورد في آية البقرة قصاص قتل وليس قصاص جراح، كان هناك طباق نفي بين القصاص والحياة، ومن الطباق الخفي ما ذكره ابن أبي الإصبع في قوله: فقد يقع في الطباق ما هو معنوي كقوله تعالى: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ * قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} (يس 15، 16) إذ معناه: ربنا يعلم إنا لصادقون، فالرد على مكذبيهم بأسلوب القصر: {إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ} بقولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} ينقض التهمة من أساسها، ويقوضها؛ لأن أساس الرسالة الأول هو الصدق، فإثبات الرسالة لإنسان يعني إثبات الصدق له، فالرسالة والصدق أمران متلازمان، ومن هنا فُهم معنى الصدق من قولهم: {رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت